زينب بنت الإمام علي بن أبي طالب الهاشمية

زينب بنت الإمام علي بن أبي طالب الهاشمية

 زينب بنت الإمام علي بن أبي طالب الهاشمية، عقيلة بني هاشم

وشريكة الإمام الحسين (ع) في ثورته، أمها فاطمة الزهراء (ع)، ولدت في حياة جدها رسول الله (ص) (1)، وتوفيت سنة (62 هـ) (2)، واختلف في مكان دفنها، فقيل: بالبقيع في المدينة المنورة، وقيل: بمصر، والمشهور أنه بالشام. (3)

مما قيل فيها:

عن الإمام علي بن الحسين (ع) أنه قال: ((….. وأنت بحمد الله عالمة غير معلمة، فهمة غير مفهمة)). (4)

قال ابن الأثير الجزري: ((وكانت زينب امرأة عاقلة لبيبة جزلة….. وكلامها ليزيد…. مشهور مذكور في كتب التواريخ، وهو يدل على عقل وقوة جنان)). (5)

من ذاكرة التاريخ:

ولدت في البيت العلوي الطاهر، وتربت ونشأت في أحضان الذين أذهب الله عنهم الرجس وطهرهم تطهيراً، فأخذت عنهم ماخصهم به الله من خصال الفضل والشرف، فكانت مثالاً بارزاً للطهارة والشرف والشجاعة والصبر والإيمان وتحمل المسؤولية. (6)

زوجها أبوها أمير المؤمنين (ع) من ابن أخيه عبد الله بن جعفر الطيار، فولدت له علياً، وعوناً، وعباساً، ومحمداً، وأم كلثوم. (7)

خرجت مع أخيها الحسين (ع) إلى كربلاء، فكان لها دور بارز في الأحداث التي جرت في يوم عاشوراء، وفي الأحداث التي جرت فيما بعد (8)، فشاركت بذلك أخاها الحسين (ع) في الذب عن الإسلام، والجهاد في سبيل الله، والدفاع عن شريعة جدها سيد المرسلين. (9)

استشهد أحد أولادها بين يدي الإمام الحسين (ع) بكربلاء يوم العاشر من المحرم. (10)

أخذت أسيرة بعد انتهاء معركة كربلاء، مع بقية عيال الحسين وأهل بيته، وأدخلت إلى الكوفة، فخطبت في أهل الكوفة خطبة عظيمة، أنبتهم فيها على ما فعلوه بالحسين (ع) وأهل بيته، فتركتهم حيارى يبكون، ثم أُدخلت على عبيد الله بن زياد في مجلسه، فأراد أن يثيرها بكلامه، فردّت عليه بكل صلابة وشجاعة فأسكتته. (11) دافعت عن الإمام علي بن الحسين السجاد (ع)، وتعلقت به لما أراد عبيد الله بن زياد قتله، وقالت لابن زياد: أسألك بالله إن كنت مؤمناً إن قتلته لما قتلتني معه، فتراجع عن قتله. (12)

حملت بعد ذلك من الكوفة إلى الشام مع بقية السبايا، وأدخلت إلى مجلس يزيد بن معاوية، فأمر يزيد برأس الإمام الحسين (ع)، فوضع بين يديه، فأخذ ينكث بعصا كانت بيده ثنايا الحسين (ع) ويتمثل بأبيات ابن الزبعرى (ليت أشياخي ببدر شهدوا) فلما رأت ذلك قامت وخطبت خطبة عظيمة، أظهرت فيها عظيم شجاعتها وصبرها وإيمانها، وشدة استخفافها بيزيد وسلطانه. (13)

أعيدت بعد ذلك من الشام إلى المدينة المنورة مع بقية السبايا (14)، وتوفيت بعد ذلك بنحو سنتين أي سنة (62 هـ) (15)، واختلف في مكان دفنها فقيل: انّه بمصر، وقيل: بالمدينة المنورة، ولكن المشهور أن قبرها بدمشق بالشام. (16)

خطبتها في الكوفة:

لما أدخل عيال الحسين (ع) على ابن زياد، دخلت زينب في جملتهم متنكرة، وعليها أرذل ثيابها، فمضت حتى جلست ناحية من القصر، وحفت بها إماؤها.

فقال ابن زياد، من هذه التي انحازت ناحية ومعها نساؤها؟ فلم تجبه زينب، فأعاد ثانية وثالثة يسأل عنها، فقال له بعض امائها، هذه زينب بنت فاطمة بنت رسول الله (ص)، فأقبل عليها ابن زياد وقال لها:

الحمد لله الذي فضحكم وقتلكم وأكذب أحدوثتكم.

فقالت زينب: الحمد لله الذي أكرمنا بنبيه محمد (ص)، وطهرنا من الرجس تطهيراً، وإنما يفتضح الفاسق ويكذب الفاجر، وهو غيرنا والحمد لله.

فقال ابن زياد، كيف رأيت فعل الله بأهل بيتك؟

قالت: كتب الله عليهم القتل، فبرزوا إلى مضاجعهم، وسيجمع الله بينك وبينهم، فتحاجون وتختصمون عنده.

فغضب ابن زياد واستشاط…. وقال لها: لقد شفى الله نفسي من طاغيتك والعصاة من أهل بيتك.

فصاحت زينب وبكت وقالت له: لعمري لقد قتلت كهلي، وأبدت أهلي، وقطعت فرعي، واجتثثت أصلي، فإن يشفك هذا فقد اشتفيت.

فقال ابن زياد: هذه سجاعة، ولعمري لقد كان أبوها سجاعاً شاعراً.

فقالت: ما للمرأة والسجاعة، إن لي عن السجاعة لشغلاً، ولكن صدري نفث بما قلت. (17)

قال خزيمة الأسدي وهو ينقل أحداث دخول سبايا آل الرسول (ص) إلى الكوفة: ((…. ورأيت زينب بنت علي (ع)، فلم أر والله خفرة أنطق منها، كأنما تنزع عن لسان أمير المؤمنين، فأومأت إلى الناس أن اسكتوا، فسكتت الأنفاس وهدأت الاجراس، فقالت: ((الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيد المرسلين، أما بعد يأهل الكوفة، ياأهل الختل والخذل (والغدر)، أتبكون؟ فلا سكنت العبرة، ولا هدأت الرنة، إنما مثلكم مثل التي نقضت غزلها من بعد قوة أنكاثاً، تتخذون إيمانكم دخلاً بينكم، ألا وإن فيكم (إلا) الصلف والصنف (والنطف) وداء الصدر الشنف، وملق الاماء، وحجر الأعداء، (أو) كمرعى على دمنة، أو كفضة على ملحودة، ألا ساء ما تزرون.

إي والله فابكوا كثيراً واضحكوا قليلاً، فقد ذهبتم بعارها وشنارها، فلن ترحضوها بغسل أبداً، وأنَّى ترحضون قتل سليل خاتم النبوة، ومعدن الرسالة، ومنار محجتكم (حجتكم)، وسيد شباب أهل الجنة، ويلكم يأهل الكوفة ألا ساء ما سولت لكم أنفسكم، أن سخط الله عليكم، وفي العذاب أنتم خالدون، أتدرون أي كبد لرسول الله (ص) فريتم، وأي دم له سفكتم، وأي كريمة له أبرزتم، لقد جئتم شيئاً إدا، تكاد السموات يتفطرن منه، وتنشق الأرض، وتخر الجبال هدا، ولقد أتيتم بها خرقاء شوهاء طلاع (كطلاع) الأرض، أفعجبتكم (أفعجبتم) أن أمطرت السماء دماً، فلعذاب الآخرة أخزى وأنتم لا تنصرون، فلا يستخفنكم فإنه لا يحفزه البدار، ولايخاف عليه فوات الثار، وإن ربي وربكم لبالمرصاد)).

قال الراوي: فرأيت الناس حيارى، واضعي أيديهم على أفواههم، ورأيت شيخاً قد دنا منها يبكي، حتى اخضلت لحيته، ثم قال: بأبي أنتم وأمي كهولكم خير الكهول، وشبابكم خير الشباب، ونسلكم لايبور ولايخزى أبدا)). (18)

خطبتها في الشام:

لما جيء برأس الإمام الحسين (ع) إلى يزيد بالشام، دعا يزيد بقضيب خيزران، وجعل ينكث به ثنايا الحسين (ع)، ويقول من جملة أبيات:

ليت أشياخي ببدر شهدوا *** جزع الخزرج من وقع الأسل

لأهلوا واستهلوا فرحاً *** ثم قالوا يا يزيد لاتشل

فقامت زينب فقالت: الحمد لله رب العالمين، وصلى الله على رسوله وآله أجمعين، صدق الله كذلك حيث يقول: {ثم كان عاقبة الذين أساءوا السوأى أن كذبوا بآيات الله وكانوا بها يستهزءون} (19)، أظننت يا يزيد حيث أخذت علينا أقطار الأرض وآفاق السماء، فأصبحنا نساق كما تساق الإماء، أن بنا هواناً على الله وبك عليه كرامة، وأن ذلك لعظم خطرك عنده، فشمخت بأنفك، ونظرت في عطفك، جذلان مسروراً، حيث رأيت الدنيا لك مستوسقة، والأمور متسقة، وحين صفا لك ملكنا وسلطاننا، فمهلاً مهلاً لا تطش جهلاً، أنسيت قول الله تعالى: {ولايحسبن الذين كفروا انما نملي لهم خير لانفسهم إنما نملي لهم ليزدادوا إثما ولهم عذاب مهين} (20)، أمن العدل يابن الطلقاء تخديرك حرائرك واماءك، وسوقك بنات رسول الله (ص) سبايا، قد هتكت ستورهن، وأبديت وجوههن، تحدو بهن الأعداء من بلد إلى بلد، ويستشرفهن أهل المناهل والمناقل، ويتصفح وجوههن القريب والبعيد، والدنيء والشريف، ليس معهن من حماتهن حمي، ولا من رجالهن ولي، وكيف ترتجى مراقبة ابن من لفظ فوه أكباد الأزكياء، ونبت لحمه بدماء الشهداء، وكيف يستبطئ في بغضنا أهل البيت من نظر إلينا بالشنف والشنآن، والإحن والأضغان، ثم تقول غير متأثم ولا مستعظم:

لأهلوا واستهلوا فرحاً *** ثم قالوا يايزيد لا تشل

منحنياً على ثنايا أبي عبد الله، سيد شباب أهل الجنة، تنكثها بمخصرتك، وكيف لا تقول ذلك وقد نكأت القرحة، واستأصلت الشأفة، باراقتك دماء ذرية محمد (ص)، ونجوم الأرض من آل عبد المطلب، وتهتف بأشياخك، زعمت أنك تناديهم، فلتردن وشيكا موردهم، ولتودن أنك شللت وبكمت، ولم تكن قلت ما قلت، وفعلت ما فعلت، الله خذ لنا لحقنا، وانتقم ممن ظلمنا، واحلل غضبك بمن سفك دماءنا، وقتل حماتنا، فوالله ما فريت إلا جلدك، ولا حززت إلا لحمك، ولتردن على رسول الله (ص) لما تحملت من سفك دماء ذريته، وانتهكت من حرمته في عترته ولحمته، حيث يجمع الله شملهم، ويلم شعثهم، ويأخذ لهم بحقهم، {ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله أمواتا بل أحياء عند ربهم يرزقون} (21) وحسبك بالله حاكما، وبمحمد (ص) خصيماً، وبجبرئيل ظهيراً، وسيعلم من سول لك ومكنك من رقاب المسلمين {بئس للظالمين بدلا} (22) وأيكم {شر مكانا وأضعف جندا} (23) ولئن جرت علي الدواهي مخاطبتك، إني لا ستصغر قدرك، واستعظم تقريعك، واستكبر توبيخك، لكن العين عبرى، والصدور حرى، ألا فالعجب كل العجب لقتل حزب الله النجباء بحزب الشيطان الطلقاء، فهذه الأيدي تنطف من دمائنا، والأفواه تتحلب من لحومنا، وتلك الجثث الطواهر الزواكي تنتابها العواسل، وتعقرها أمهات الفراعل، ولئن اتخذتنا مغنما، لتجدنا وشيكاً مغرماً، حيث لا تجد إلا ما قدمت يداك، وما ربك بظلام للعبيد، فإلى الله المشتكى وعليه المعول، فكد كيدك واسع سعيك وناصب جهدك، فوالله لاتمحو ذكرنا، ولا تميت وحينا، ولا تدرك أمدنا، ولا ترحض عنك عارها، وهل رأيك إلاّ فند، وأيامك إلاّ عدد، وجمعك إلاّ بدد، يوم ينادي المنادي ألا لعنة الله على الظالمين، فالحمد لله الذي ختم لأولنا بالسعادة والمغفرة، ولآخرنا بالشهادة والرحمة، ونسأل الله أن يكمل لهم الثواب، ويوجب لهم المزيد، ويحسن علينا الخلافة، إنه رحيم ودود، وحسبنا الله ونعم الوكيل. (24)

لاشك أن العقيلة زينب (ع) قد لعبت دورا كبيرا في وصول الثورة الحسينية إلى أهدافها التي أرادها الإمام الحسين (ع) لها، فقد واصلت هذه السيدة الجليلة مابدأه الإمام (ع)، من إخراج المجتمع الإسلامي آنذاك من حالة الخدر والغفلة التي كان يعيشها، ونزع ستار الشرعية عن الحكم الأموي، فكان للخُطب التي ألقتها في أثناء رحلة السبي أكبر الأثر في ذلك، ولذلك فهي تعد بحق شريكة الحسين (ع) في تلك الثورة. (25)

المصادر:

1- أسد الغابة 7/132-133، الإصابة 4/321، ومقاتل الطالبيين 95، ومعجم رجال الحديث 24/219.

2- الأعلام 3/66.

3- انظر أعيان الشيعة 7/140-141.

4- سفينة البحار 3/496، عن بحار الأنوار 45/164.

5- أسد الغابة 7/133.

6- انظر أعيان الشيعة 7/137، ومعجم رجال الحديث 24/219.

7- أسد الغابة 7/333، وانظر الطبقات الكبرى 7/465.

8- أعيان الشيعة 7/137.

9- معجم رجال الحديث 24/219.

10- انظر مقاتل الطالبيين: 95.

11- اللهوف: 63-65 و 69-70، وانظر الكامل في التاريخ 4/81-82، وتاريخ الطبري 3/336-337.

12- تاريخ الطبري 3/337، والكامل في التاريخ 4/82.

13- انظر أعيان الشيعة 7/137ـ 140، وبلاغات النساء 34-36.

14- انظر الكامل في التاريخ 4/87-88.

15- الأعلام 3/66.

16- انظر أعيان الشيعة 7/140-141.

17- الارشاد 2/115-116، تاريخ الطبري 3/336-337، أعيان الشيعة 7/139.

18- نور الأبصار 203، اللهوف 64-65، أعيان الشيعة 7/138.

19- سورة الروم، الآية 10.

20- سورة آل عمران، الآية 178.

21- سورة آل عمران، الآية 169.

22- سورة الكهف، الآية 50.

23- سورة مريم، الآية 75.

24- أعيان الشيعة 7/139-140.

25- انظر نهضة الحسين (ع) (لهبة الدين الشهرستاني) 155-156، وثورة الحسين (ع) (لشمس الدين) 195-260، ومعجم رجال الحديث 24/219.

مقالات ذات صله

الرد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *