اسباب الثورة  ومخططاتها

اسباب الثورة ومخططاتها

ولم يفجر الامام الحسين (ع) ثورته الكبرى أشرا، ولا بطرا ، ولا ظالما، ولا مفسدا – حسب ما يقول – وانما انطلق ليؤسس معالم الاصلاح في البلاد، ويحقق العدل الاجتماعي بين الناس، ويقضي على أسباب النكسة الاليمة التي مني بها المسلمون في ظل الحكم الاموي الذي الحق بهم الهزيمة والعار.

لقد انطلق الامام ليصحح الاوضاع الراهنة في البلاد، ويعيد للامة ما فقدته من مقوماتها وذاتياتها، ويعيد لشراينها الحياة الكريمة التي تملك بها ارادتها وحريتها في مسيرتها النضالية لقيادة أمم العالم في ظل حكم متوازن تذاب فيه الفوارق الاجتماعية، وتقام الحياة على أسس صلبة من المحبة والاخاء، انه حكم الله خالق الكون وواهب الحياة، لا حكم معاوية الذي قاد مركبة حكومته على اماتة وعي الانسان، وشل حركاته الفكرية والاجتماعية .

لقد فجر الامام (ع) ثورته الكبرى التي أوضح الله بها الكتاب ، وجعلها عبرة لاولي الالباب، فاضاء بها الطريق، وأوضح بها القصد ، وانار بها الفكر، فانهارت بها السدود والحواجز التي وضعها الحكم الاموي امام التطور الشامل الذي يريده الاسلام لابنائه، فلم يعد بعد الثورة أي ظل للسلبيات الرهيبة التي أقامها الحكم الاموي على مسرح الحياة الاسلامية، فقد انتقضت الامة – بعد مقتل الامام – كالمارد الجبار وهي تسخر من الحياة، وتستهزا بالموت، وتزج بابنائها في ثورات متلاحقة حتى اطاحت بالحكم الاموي، واكتسحت معالم زهوه .

ولم يقدم الامام على الثورة إلا بعد ان انسدت امامه جميع الوسائل وانقطع كل أمل له في اصلاح الامة، وانقاذها من السلوك في المنعطفات فايقن انه لا طريق للاصلاح إلا بالتضحية الحمراء، فهي وحدها التي تتغير بها الحياة، وترتفع راية الحق عالية في الارض .

وفيما اعتقد ان أهم ما يتطلبه القراء لامثال هذه البحوث الوقوف على أسباب الثورة الحسينية ومخططاتها، وفيما يلي ذلك .

أسباب الثورة :

واحاطت بالامام (ع) عدة من المسؤوليات الدينية والواجبات الاجتماعية وغيرها، فحفزته الى الثورة ودفعته الى التضحية والفداء وهذه بعضها .

1 – المسؤولية الدينية :

واعلن الاسلام المسؤولية الكبرى على كل مسلم عما يحدث في بلاد المسلمين من الاحداث والازمات التي تتنافي مع دينهم، وتتجافي مع مصالحهم، فانه ليس من الاسلام في شئ أن يقف المسلم موقفا يتسم بالميوعة واللامبالات أما الهزات التي تدهم الامة وتدمر مصالحها، وقد أعلن الرسول (ص) هذه المسؤولية، يقول (ص) :

كلكم راع ، وكلكم مسؤول عن رعيته ” فالمسلم مسؤول أمام الله عن رعاية مجتمعه ، والسهر على صالح بلاده، والدفاع عن أمته .

وعلى ضوء هذه المسؤولية الكبرى ناهض الامام جور الامويين ، وناجز مخططاتهم الهادفة الى استعباد الامة واذلالها، ونهب ثرواتها ، وقد أدلى (ع) بما يحتمه الاسلام عليه من الجهاد لحكم الطاغية يزيد، امام الحر وأصحابه قال (ع):

” يا أيها الناس :

إن رسول الله (ص) قال :

” من راى سلطانا جائرا مستحلا لحرم الله ناكثا لعهد الله، مخالفا لسنة رسول الله (ص ) يعمل في عباد الله بالاثم والعدوان، فلم يغير عليه بقول ولا فعل كان حقا على الله أن يدخله مدخله ” .

لقد كان الواجب الديني يحتم عليه القيام بوجه الحكم الاموي الذي استحل حرمات الله، ونكث عهوده وخالف سنة رسول الله (ص)، وقد صرح جماعة من علماء المسلمين بان الواجب الديني كان يقضي على الامام أن ينطلق في ميادين الجهاد دفاعا عن الاسلام، وفيما يلي بعضهم .

1 – الامام محمد عبده والمع الامام محمد عبده في حديثه عن الحكومة العادلة والجائرة في الاسلام إلى خروج الامام على حكومة يزيد، ووصفه بانه كان واجبا شرعيا عليه، قال :

” اذا وجد في الدنيا حكومة عادلة تقيم الشرع، وحكومة جائرة تعطله، وجب على كل مسلم نصر الاولى، وخذل الثانية…

ومن هذا الباب خروج الامام الحسين (ع) سبط الرسول (ص) على امام الجور والبغي الذي ولي أمر المسلمين بالقوة والمنكر يزيد بن معاوية خذله الله، وخذل من انتصر له من الكرامية والنواصب ” (1).

2 – محمد عبد الباقي وتحدث الاستاذ محمد عبد الباقي سرور عن المسؤولية الدينية والاجتماعية اللتين تحتمان على الامام القيام بمناهضة حكم يزيد قال :

” لو بايع الحسين يزيد الفاسق المستهتر، الذي اباح الخمر والزنا وحط بكرامة الخلافة الى مجالسة الغانيات، وعقد حلقات الشراب في مجلس الحكم، والذي البس الكلاب والقرود خلاخل من ذهب، ومئات الالوف من السلمين صرعى الجوع، والحرمان .

لو بايع الحسين يزيد أن يكون خليفة لرسول الله (ص) على هذا الوضع لكانت فتيا من الحسين باباحة هذا للمسلمين، وكان سكوته هذا أيضا رضى، والرضا من ارتكاب المنكرات ولو بالسكوت اثم وجريمة في حكم الشريعة الاسلامية.. والحسين بوضعه الراهن في عهد يزيد هو الشخصية المسؤولة في الجزيرة العربية بل في البلاد الاسلامية كافة عن حماية التراث الاسلامي لمكانته في المسلمين، ولقرابته من رسول رب العالمين ، ولكونه بعد موت كبار المسلمين كان أعظم المسلمين في ذلك الوقت علما ورهدا وحسبا ومكانة.

فعلى هذا الوضع أحسن بالمسؤولية تناديه وتطلبه لا يقاف المنكرات عند حدها، ولا سيما ان الذي يضع هذه المنكرات ويشجع عليها هو الجالس في مقعد رسول الله (ص) هذا أولا :

وثانيا :

انه (ع) جاءته المبايعات بالخلافة من جزيرة العرب ، وجاءه ثلاثون الفا من الخطابات من ثلاثين الف من العراقيين من سكان البصرة والكوفة يطلبون فيها منه الشخوص لمشاركتهم في محاربة يزيد بن معاوية، وألحوا تكرار هذه الخطابات حتى قال رئيسهم عبد الله بن الحصين الازدي :

يا حسين سنشكوك الى الله تعالى يوم القيامة اذا لم تلب طلبنا ، وتقوم بنجدة الاسلام، وكيف والحسين ذو حمية دينية ونخوة اسلامية ، والمفاسد تترى أمام عينيه، كيف لا يقوم بتلبية النداء، وعلى هذا الوضع لبى النداء، كما تامر به الشريعة الاسلامية، وتوجه نحو العراق ” (2) .

وهذا الراي وثيق للغاية فقد شفع بالادلة الشرعية التي حملت الامام مسؤولية الجهاد والخروج على حكم طاغية زمانه .

3 – عبد الحفيظ أبو السعود يقول الاستاذ عبد الحفيظ أبو السعود :

” وراى الحسين أنه مطالب الان – يعني بعد هلاك معاوية – أن يعلن رفضه لهذه البيعة، وان ياخذ البيعة لنفسه من المسلمين، وهذا اقل ما يجب حفاظا لامر الله، ورفعا للظلم، وابعادا لهذه العابث يعني يزيد – عن ذلك المنصب الجليل ” (3) .

4 – الدكتور احمد محمود صبحي وممن صرح بهذه المسؤولية الدينية الدكتور احمد محمود صبحي قال :

” ففي اقدام الحسين على بيعة يزيد انحراف عن أصل من اصول الدين من حيث أن السياسة الدينية للمسلمين لا ترى في ولاية العهد وراثة الملك إلا بدعة هرقلية دخيلة على الاسلام، ومن حيث أن اختيار شخض يزيد مع ما عرف عنه من سوء السيرة، وميله الى اللهو وشرب الخمر، ومنادمة القرود ليتولى منصب الخلافة عن رسول الله (ص) اكبر وزر يحل بالنظام السياسي للاسلام.

يتحمل وزره كل من شارك فيه ورضى عنه، فما بالك اذا كان المقدم على ذلك هو ابن بنت رسول الله .

كان خروج الحسين اذا أمرا يتصل بالدعوة والعقيدة اكثر مما يتصل بالسياسة والحرب ” (4) .

5 – العلائلي يقول العلائلي :

” وهناك واجب على الخليفة اذا تجاوزه وجب على الامة اسقاطه، ووجبت على الناس الثورة عليه وهو المبالغة باحترام القانون الذي يخضع له الناس عامة، والا فاي تظاهر بخلافه يكون تلاعبا وعبثا ، ومن ثم وجب على رجل القانون أن يكون اكثر تظاهرا باحترام القانون من أي شخص آخر، واكبر مسؤولية من هذه الناحية، فاذا فسق الملك ثم جاهر بفسقه وتحدى الله ورسوله والمؤمنين لم يكن الخضوع له إلا خضوعا للفسق وخضوعا للفحشاء والمنكر، ولم يكن الاطمئنان إليه الا اطمئنانا للتلاعب والمعالنة الفاسقة .

هذا هو المعنى التحليلي لقوله (ع) :

” ويزيد رجل فاسق، وشارب للخمر وقاتل النفس المحرمة، معلن بالفسق ” (5) .

هذه بعض الاراء التي أدلي بها جماعة من العلماء في الزام الامام شرعا بالخروج على حكم الطاغية يزيد، وانه ليس له أن يقف موقفا سليبا أمام ما يقترفه يزيد من الظلم والجور .

2 – مسؤولية الاجتماعية :

وكان الامام (ع) بحكم مركزه الاجتماعي مسؤولا أمام الامة عما منيت به من الظلم والاضطهاد من قيل الامويين، ومن هو أولى بحمايتها ورد الاعتداء عنها غيره فهو سبط رسول الله (ص) وريحانته، والدين دين جده، والامة أمة جده، وهو المسؤول بالدرجة الاولى عن رعايتهما .

لقد راى الامام أنه مسؤول عن هذه الامة، وانه لا يجدي باي حال في تغيير الاوضاع الاجتماعية التزام جانب الصمت، وعدم الوثوب في وجه الحكم الاموي الملئ بالجور والاثام، فنهض (ع) باعباء هذه المسؤولية الكبرى، وأدى رسالته بامانة واخلاص، وضحى بنفسه وأهل بيته وأصحابه ليعيد على مسرح الحياة عدالة الاسلام وحكم القران .

3 – اقامة الحجة عليه :

وقامت الحجة على الامام لاعلان الجهاد، ومناجزة قوى البغي والالحاد، فقد تواترت عليه الرسائل والوفود من أقوى حامية عسكرية في الاسلام، وهي الكوفة فكانت رسائل أهلها تحمله المسؤولية أمام الله إن لم يستجب لدعواتهم الملحة لانقاذهم من عسف الامويين وبغيهم ، ومن الطبيعي أنه لو لم يجيبهم لكان مسؤولا أمام الله، وأمام الامة في جميع مراحل التاريخ، وتكون الحجة قائمة عليه .

4 – حماية الاسلام :

ومن أوكد الاسباب التي ثار من أجلها حفيد الرسول (ص) حماية الاسلام من خطر الحكم الاموي الذي جهد على محو سطوره، وقلع جذوره واقبار قيمه، فقد أعلن يزيد وهو على دست الخلافة الاسلامية الكفر والالحاد بقوله :

لعبت هاشم بالملك فلا خبر * جاء ولا وحي نزل

وكشف هذا الشعر عن العقيدة الجاهلية التي كان يدين بها يزيد فهو لم يؤمن بوحي ولا كتاب، ولا جنة ولا نار، وقد راى السبط أنه ان لم يثار لحماية الدين فسوف يجهز عليه حفيد أبي سفيان ويجعله أثرا بعد عين، فثار (ع) ثورته الكبرى التي فدى بها دين الله، فكان دمه الزاكي المعطر بشذى الرسالة، هو البلسم لهذا الدين، فان من المؤكد أنه لو لا تضحيته لم يبق للاسلام اسم ولا رسم، وصار الدين دين الجاهلية ودين الدعارة والفسوق، ولذهبت سدى جميع جهود النبي (ص) وما كان ينشده للناس من خير وهدى، وقد نظر النبي (ص) من وراء الغيب واستشف مستقبل امته، فراى بعين اليقين، ما تمنى به الامة من الانحراف عن الدين، وما يصيبها من الفتن والخطوب على أيدي أغيلمة من قريش، وراى أن الذي يقوم بحماية الاسلام هو الحسين (ع ) فقال (ص) كلمته الخالدة :

” حسين مني وأنا من حسين ” فكان النبي (ص) حقا من الحسين لان تضحيته كانت وقاية للقران، وسيبقي دمه الزكي يروي شجرة الاسلام على ممر الاحقاب والاباد .

5 – صيانة الخلافة :

ومن المع الاسباب التي ثار من أجلها الامام الحسين (ع) تطهير الخلافة الاسلامية من أرجاس الامويين الذين نزوا عليها بغير حق.. فلم تعد الخلافة – في عهدهم كما يريدها الاسلام – وسيلة لتحقيق العدل الاجتماعي بين الناس، والقضاء على جميع أسباب التخلف والفساد في الارض .

لقد اهتم الاسلام اهتماما بالغا بشان الخلافة باعتبارها القاعدة الصلبة لاشاعة الحق والعدل بين الناس، فاذا صلحت نعمت الامة باسرها ، واذا انحرفت عن واجباتها فان الامة تصاب بتدهور سريع في جميع مقوماتها الفكرية والاجتماعية.

.. ومن ثم فقد عنى الاسلام في شانها أشد ما تكون العناية، فالزم من يتصدى لها بان تتوفر فيه النزعات الخيرة والصفات الشريفة من العدالة والامانة، والخبرة بما تحتاج إليه الامة في مجالاتها الاقتصادية والادارية والسياسية، وحرم على من فقد هذه الصفات أن يرشح نفسه للخلافة.. وقد تحدث (ع) في أولى رسائله الى أهل الكوفة عن الصفات التي يجب أن تتوفر فيمن يرشح نفسه الى امامة المسلمين وادارة شؤونهم قال (ع) :

” فلعمري ما الامام إلا العامل بالكتاب، والاخذ بالقسط، والدائن بالحق، والحابس نفسه على ذات الله ” (6) .

فمن تخلى بهذه الصفات كان له الحق في تقديم نفسه لامامة المسلمين وخلافتهم، ومن لم يتصف بها فلا حق له في التصدي لهذا المركز الخطير الذي كان يشغله الرسول (ص).

.. ان الخلافة الاسلامية ليست مجرد سلطة زمينة على الامة، وانما هي نيابة عن الرسول (ص) وامتداد ذاتي لحكومته المشرقة .

وقد راي الامام الحسين أن مركز جده قد صار الى سكير مستهتر لا يعي الا شهواته ورغباته، فثار (ع) ليعيد للخلافة الاسلامية كيانها المشرق وماضيها الزاهر .

6 – تحرير ارادة الامة :

ولم تملك الامة في عهد معاوية ويزيد ارادتها واختيارها فقد كانت جئة هامدة لا وعي فيها ولا اختيار، قد كبلت بقيود ثقيلة سدت في وجهها منافذ النور والوعي، وحيل بينها وبين ارادتها .

لقد عمل الحكم الاموي على تخدير المسلمين وشل تفكيرهم، وكانت قلوبهم مع الامام الحسين، الا انهم لا يتمكنون من متابعة قلوبهم وضمائرهم فقد استولت عليها حكومة الامويين بالقهر، فلم يملكوا من أمرهم شيئا ، فلا ارادة لهم ولا اختيار، ولا عزم ولا تصميم فاصبحوا كالانصاب لا وعي فيهم ولا حراك، قد قبعوا أذلاء ” صاغرين تحت وطاة سياط الامويين وبطشهم ” .

لقد هب الامام الى ساحات الجهاد والفداء ليطعم المسلمين بروح العزة والكرامة، فكان مقتله نقطة تحول في تاريخ المسلمين وحياتهم ، فانقلبوا راسا على عقب، فتسلحوا بقوة العزم والتصميم، وتحرروا ومن جميع السلبيات التي كانت ملمة بهم، وانقلبت مفاهيم الخوف والخنوع التي كانت جاثمة عليهم الى مبادئ الثورة والنضال، فهبوا متضامنين في ثورات مكثفة، وكان شعارهم (يا لثارات الحسين) فكان هذا الشعار هو الصرخة المدوية التي دكت عروش الامويين وازالت سلطانهم .

7 – تحرير اقتصاد الامة :

وانهار اقتصاد الامة الذي هو شرايين حياتها الاجتماعية والفردية فقد عمد الامويين بشكل سافر الى نهب الخزينة المركزية والاستئتار بالفئ وسائر تمرات الفتوح والغنائم، فحازوا الثراء العريض، وتكدست في بيوتهم الاموال الهائلة التي حاروا في صرفها، وقد اعلن معاوية امام المسلمين ان المال مال الله، وليس مال المسلمين فهو أحق به، ويقول سعيد بن العاص :

انما السواد بستان قريش، وقد أخذوا ينفقون الاموال على اغراضهم السياسية التي لا تمت بصلة لصالح الامة.

أما مواد انفاقهم البارزة فهي :

أ – شراء الضمائر والاديان، وقد تقدمت الشواهد المؤيدة لذلك عند البحث عن سياسة معاوية الاقتصادية .

ب – الانفاق على لجان الوضع لافتعال الاخبار التي تدعم الكيان الاموي وتحط من قيمة أهل البيت، وقد المعنا الى ذلك بصورة مفصلة .

ج – الهبات الهائلة والعطايا الوافرة للوجوه والاشراف لكم افواههم عما تقترفه السلطة من الظلم للرعية .

د – الصرف على المجون والدعارة، فقد امتلئت بيوتهم بالمغنين والمغنيات وادوات العزف وسائر المنكرات .

هذه بعض الموارد التي كان ينفق عليها الاموال، في حين أن الجوع قد نهش الامة وعمت فيها المجاعة، وانتشر شبح الفقر في جميع الاقطار الاسلامية سوى الشام فقد رفه عليها لانها الحصن المنيع الذي كان يحمي جور الامويين وظلمهم .

وقد ثار الامام الحسين (ع) ليحمي اقتصاد الامة ويعيد توازن حياتها المعاشية، وقد صادر أموالا من الخراج كانت قد ارسلت لمعاوية، كما صادر اموالا اخرى ارسلت من اليمن الى خزينة دمشق في أيام يزيد ، وقد انفقها على الفقراء والمعوزين، وكان (ع) اكثر ما يعاني من الالام هو انه يرى الفقر قد أخذ بخناق المواطنين، ولم ينفق شئ من بيت المال على انعاش حياتهم .

8 – المظالم الاجتماعية :

وانتشرت المظالم الاجتماعية في انحاء البلاد الاسلامية، فلم يعد قطر من الاقطار إلا وهو يعج بالظلم والاضطهاد من جورهم، وكان من مظاهر ذلك الظلم ما يلي :

1 – فقد الامن وانعدم الامن في جميع أنحاء البلاد، وساد الخوف والارهاب على جميع المواظنين، فقد أسرفت السلطة الاموية بالظلم، فجعلت تاخذ البرئ بالسقيم، والمقبل بالمدبر، وتعاقب على الظنة والتهمة، وتسوق الابراياء بغير حساب الى السجون والقبور، وكان الناس في عهد زياد يقولون :

” انج سعد فقد هلك سعيد ” ولا يوجد أحد الا وهو خائف على دمه ، وماله، فثار الامام الحسين (ع) لينقذ الناس من هذا الجور الهائل .

2 – احتقار الامة وكان الخط السياسي الذي انتهجه الامويون العمل على اذلال الامة والاستهانة بها وكان من مظاهر ذلك الاحتقار انهم كانوا يختمون في اعناق المسلمين كما توسم الخيل علامة لاستعبادهم كما نقشوا على اكف المسلمين علامة لاسترقاقهم كما يصنع بالعلوج من الروم والحبشة (7) وقد هب الامام (ع ) في ميادين الجهاد ليفتح للمسلمين أبواب العزة والكرامة، ويحطم عنهم ذلك الكابوس المظلم الذي احال حياتهم الى ظلام قاتم لا بصيص فيه من النور .

9 – المظالم الهائلة على الشيعة :

وذهبت نفس الامام الحسين أسى على ما عانته الشيعة – في عهد معاوية – من ضروب المحن والبلاء، فقد أمعن معاوية في ظلمهم وارهاقهم وفتك بهم فتكا ذريعا، وراح يقول للامام الحسين :

” يا أبا عبد الله علمت أنا قتلنا شيعة أبيك فحنطناهم وكفناهم وصلينا عليهم ودفناهم ” (8) وقد بذل قصارى جهوده في تصفية الحساب معهم، وقد ذكرنا عرضا مفصلا لما عانوه في عهد معاوية وخلاصته .

1 – اعدام اعلامهم كحجر بن عدي، وعمرو بن الحمق الخزاعي وصيفي بن فسيل وغيرهم .

2 – صلبهم على جذوع النخل 3 – دفنهم أحياءا 4 – هدم دورهم 5 – عدم قبول شهادتهم

6 – حرمانهم من العطاء 7 – ترويع السيدات من نسائهم 8 – اذاعة الذعر والخوف في جميع أوساطهم إلى غير ذلك من صنوف الارهاق الذي عالوه، وقد ذعر الامام الحسين (ع) مما حل بهم، فبعث بمذكرته الخطيرة لمعاوية التي سجل فيها جرائم ما ارتكبه في حق الشيعة، وقد ذكرناها في البحث عن حكومة معاوية .

لقد كانت الاجراءات القاسية التي اتخذها الحكم الاموى ضد الشيعة من اسباب ثورته فهب لانقاذهم من واقعهم المرير، وحمايتهم من الجور والظلم .

10 – محو ذكر اهل البيت :

ومن ألمع الاسباب التي ثار من أجلها أبو الشهداء (ع) هو ان الحكم الاموي قد جهد على محو ذكر أهل البيت (ع) واستئصال ماثرهم ومناقبهم وقد استخذم معاوية في هذا السبيل أخبث الوسائل وهي :

1 – افتعال الاخبار في الحط من شانهم.

2 – استخدام أجهزة التربية والتعليم لتربية النشئ على بغضهم.

3 – معاقبة من يذكر مناقبهم باقصى العقوبات.

4 – سبهم على المنابر والماذن وخطب الجمعة وقد عقد الامام الحسين (ع) مؤتمرة السياسي الكبير في مكة المكرمة وأحاط المسلمين علما بالاجراءات الخطيرة التي اتخذها معاوية إلى ازالة أهل البيت عن الرصيد السلامي…

وكان (ع) يتحرق شوقا إلى الجهاد، ويود أن الموت قد وافاه ولا يسمع سب أبيه على المنابر والماذن .

11 – تدمير القيم الاسلامية :

وعمد الامويون إلى تدمير القيم الاسلامية، فلم يعد لها اي ظل على واقع الحياة الاسلامية وهذه بعضها :

أ – الوحدة الاسلامية وأشاع الامويون الفرقة والاختلاف بين المسلمين فاحيوا العصبيات القبلية، وشجعوا الهجاء بين الاسر والقبائل العربية حتى لا تقوم وحدة بين المسلمين، وقد شجع يزيد الاخطل على هجاء الانصار الذين آووا النبي (ص) وحاموا عن دينه أيام غربة الاسلام ومحنته .

لقد كانت الظاهرة البارزة في شعر ذلك العصر هي الهجاء المقذع فقد قصر الشعراء مواهبهم الاديبة على الهجاء والتفنن في أساليب القذف والسب للاسر التي كانت تنافس قبائلهم، وقد خلى الشعر الاموي عن كل نزعة انسانية أو مقصد اجتماعي، وتفرد بظاهرة الهجاء، وقد خولف بذلك ما كان ينشده الاسلام من الوحدة الشاملة بين أبنائه .

ب – المساواة وهدم الامويون المساواة العادلة التي أعلنها الاسلام، فقدموا العرب على الموالي واشاعوا جوا رهيبا من التوتر والتكتل السياسي بين المسلمين ، وكان من جراء ذلك أن الف الموالي مجموعة من الكتب في نقض العرب وذمهم، كما ألف العرب كتبا في نقص الموالي واحتقارهم، وعلى راس القائمة التي اثارت هذا النحو من التوتر بين المسلمين زياد بن أبيه فقد كان حاقدا على العرب، وقد عهد الى الكتاب بانتقاصهم .

وقد خالفت هذه السياسة النكراء روح الاسلام الذي ساوى بين المسلمين في جميع الحقوق والواجبات على اختلاف قومياتهم .

ج – الحرية ولم يعد أي مفهوم للحرية ماثلا على مسرح الحياة طيلة الحكم الاموي فقد كانت السلطة تحاسب الشعب حسابا منكرا وعسيرا على كل بادرة لا تتفق مع رغباتها، حتى لم يعد في مقدور أي أحد أن يطالب بحقوقه ، أو يتكلم ياي مصلحة للناس فقد كان حكم النطع والسيف هو السائد في ذلك العصر .

لقد ثار أبو الاحرار لينقذ الانسان المسلم وغيره من الاضطهاد الشامل وبعيد للناس حقوقهم التي ضاعت في أيام معاوية ويزيد .

12 – انهيار المجتمع :

وانهار المجتمع في عصر الامويين، وتحلل من جميع القيم الاسلامية أما أهل العوامل التي أدت إلى انهياره فهي :

1 – حرمان المجتمع من التربية الروحية فلم يحفل بها أحد من الخلفاء سوى الامام أمير المؤمنين (ع) فقد عني بها عناية بالغة إلا انه قد مني بالاحداث الرهيبة التي منعته من مواصلة مسيرته في اصلاح الناس وتقويم اخلاقهم .

2 – امعان الحكم الاموي في افساد المجتمع وتضليله، وتغديته بكل ما هو بعيد عن واقع الاسلام وهديه .

ان هذين العاملين – فيما نحسب – من أهم العوامل التي أدت على الى انهيار ذلك المجتمع.. اما مظاهر ذلك التحلل والانهيار فهي :

1 – نقض العهود ولم يتاثم أغلب أبناء ذلك المجتمع من نقض العهود والمواثيق، فقد كان عدم الوفاء يها أمرا عاديا، ومتسالما عليه، وقد شجعهم على ذلك ( كسرى العرب)، فقد أعلن في خطابه بالنخيلة ان كل ما شرطه على نفسه للامام الحسن لا يفي به، وعمد الى نقض جيمع الشروط التي أعطاها له.. وكانت هذه الظاهرة من ابرز ذاتيات الكوفيين، فقد اعطوا للامام الحسين أعظم العهود والمراثيق على مناصرته، ومناجزة عدوه إلا انهم خاسوا ما عاهدوا عليه الله فخذلوه وقتلوه .

2 – عدم التحرج من الكذب ومن الامراض التي أصيب بها ذلك المجتمع عدم التحرج من الكذب وقد مني الكوفيون بذلك بصورة خاصة، فانهم لما أحاطوا بالامام الحسين (ع) – يوم الطف – لقتله، وجه (ع) سؤالا الى قادة الفرق الذين كاتبوه بالقدوم اليهم فقال :

” يا شبث بن ربعي، ويا حجار بن ابجر، ويا قيس بن الاشعث ، ويا زيد بن الحرث، ألم تكتبوا إلي أن قد اينعت الثمار، واخضر الجناب وانما تقدم على جند لك مجندة.. ” .

ولم تخجل تلك النفوس القدرة من تعمد الكذب فاجابوه مجمعين :

” لم نفعل ” وبهر الامام فاندفع يقول :

” سبحان الله ! ! بلى والله لقد فعلتم.. ” .

وقد جروا الى المجتمع بما اقترفوه من الاثام كثيرا من الويلات والخطوب، وتسلح بهم أئمة الظلم والجور الى اضطهاد المسلمين وارغامهم على ما يكرهون .

3 – عرض الضمائر للبيع وقد كان من أحط ما وصل إليه ذلك المجتمع من الانحراف والزيغ عرض الضمائر والاديان لبيعها على السلطة جهارا، وقد المعنا الى ذلك بصورة مفصلة عند البحث عن عهد معاوية .

4 – الاقبال على اللهو وأقبل المجتمع بنهم على اللهو والدعارة، وقد شجع الامويون بصورة مباشرة حياة المجون لزعزعة العقيدة الدينية من النفوس، وصرف الناس عما ينشده الاسلام من التوازن في سلوك الفرد .

هذه بعض الامراض التي المت بالمجتمع الاسلامي، وقد أدت إلى تسيبه، وانهيار قيمه وقد ثار الامام الحسين (ع) ليقضى على التذبذب والانحراف الذي منيت به الامة .

13 – الدفاع عن حقوقه :

وانبرى الامام الحسين (ع) للجهاد دفاعا عن حقوقه التي نهبها الامويون واغتصبوها، وأهمها – فيما نحسب – ما يلي :

1 – الخلافة وآمن الامام الحسين (ع) – كابيه – أن العترة الطاهرة أولى بمقام رسول الله (ص) وأحق بمركزه من غيرهم، لانهم أهل بيت النبوة ، ومعدن الرسالة ومختلف الملائكة، بهم فتح الله، وبهم ختم – على حد تعبيره – وقد طبع على هذا الشعور وهو في غضون الصبا، فقد انطلق الى عمر وكان على منبر رسول الله (ص) فصاح به .

” انزل عن منبر أبي، واذهب الى منبر أبيك ” .

ولم ينفرد الامام الحسين بهذا الشعور وانما كان سائدا عند أئمة أهل البيت عليهم السلام فهم يرون أن الخلافة من حقوقهم لانهم الصق الناس برسول الله (ص) واكثرهم وعيا لاهدافه.. وهناك شئ آخر جدير بالاهتمام وهو ان الحسين (ع) كان هو الخليفة الشرعي بمقتضى معاهدة الصلح التي تم الاتفاق عليها، فقد جاء في بنودها ليس لمعاوية أن يعهد بالامر الى أحد من بعده والامر بعده للحسن، فان حدث به حدث فالامر للحسين ” (9) وعلى هذا، فلم تكن بيعة يزيد شرعية، فلم يخرج الامام الحسين (ع) على امام من أئمة المسلمين – كما يذهب لذلك بعض ذوي النزعات الاموية وانما خرج (ع) على ظالم مغتصب لحقه .

2 – الخمس والخمس حق مفروض لاهل البيت (ع) نص عليه القران وتواترت به السنة، ولكن الحكومات السابقة تناهيته فلم تؤد لهم منه شيئا لشل حركة المقاومة عند العلويين، وقد أشار الامام الحسين (ع) الى ذلك في حديثه مع أبي هرة الذي نهاه عن الخروج على بني أمية، فقال (ع) له :

” ويحك أبا هرة ان بني أمية أخذوا مالي فصبرت ” .

واكبر الظن ان المال الذي أخذته بنو أمية منه هو الخمس، وقد أعلن ذلك دعبل الخزاعي في رائعته التي انشدها أمام الرضا (ع) في خراسان بقوله :

أرى فيئهم في غيرهم متقسما * وايديهم من فيئهم صفرات

والتاع الامام الرضا (ع) فجعل يقلب يديه وهو يقول :

” انها – والله – لصفرات ” وقد أقض مضاجع العلويين منعهم من الخمس باعتباره أحد المصادر الرئيسية لحياتهم الاقتصادية .

ولعل الامام الحسين قد استهدف بنهضته ارجاع هذا الحق السليب لاهل البيت (ع) .

14 – الامر بالمعروف :

ومن أوكد الاسياب التي ثار من أجلها أبي الضيم (ع) اقامة الامر بالمعروف والنهي عن المنكر فانهما من مقومات هذا الدين، والامام بالدرجة الاولى مسؤول عنهما.

وقد أدلى (ع) بذلك في وصيته لاخيه ابن الحنفية التي اعلن فيها عن اسباب خروجه على يزيد، فقال (ع ) ” اني لم اخرج أشرا، ولا بطرا، ولا ظالما، ولا مفسدا، وانما خرجت لطلب الاصلاح في أمة جدي أريد أن أمر بالمعروف وأنهى عن المنكر ” .

لقد انطلق (ع) الى ميادين الجهاد ليقيم هذا الصرح الشامخ الذي بنيت عليه الحياة الكريمة في الاسلام، وقد انهارت دعائمة أيام الحكم الاموي فقد أصبح المعروف في عهدهم منكرا، والمنكر معروفا، وقد انكر عليهم الامام في كثير من المواقف، والتي كان منها خطابه الرائع امام المهاجرين والانصار، فقد شجب فيه تخاذلهم عن نصرة الحق و دحض الباطل، وايثارهم للعافية، وقد ذكرناه في الحلقة الاولى من هذا الكتاب .

ومما قاله (ع) في هذا المجال امام اصحابه واهل بيته يوم الطف :

” الا ترون الى الحق لا يعمل به، وإلى الباطل لا يتناهى عنه ليرغب المؤمن في لقاء ربه ” لقد آثر الموت على الحياة، لانه يرى الحق قد تلاشى والباطل قد استشرى .

15 – اماتة البدع :

وعمد الحكم الاموي الى نشر البدع بين المسلمين، التي لم يقصد منها إلا محق الاسلام، والحاق الهزيمة به، وقد اشار الامام (ع) إلى ذلك في رسالته بعثها لاهل البصرة يقول (ع) :

” فان السنة قد اميتت والبدعة قد احييت ” (10) .

لقد ثار (ع) ليقضي على البدع الجاهلية التي تبناها الامويون ، ويحيي سنة جده التي اماتوها، فكانت نهضته الخالدة من اجل اماته الجاهلية ونشر راية الاسلام .

16 – العهد النبوي :

واستشف النبي (ص) من وراء الغيب ما يمنى به الاسلام من الاخطار الهائلة على أيدي الامويين، وانه لا يمكن باي حال تجديد رسالته وتخليد مبادثه إلا بتضحية ولده الامام الحسين (ع) فانه هو الذي يكون الدرع الواقي لصيانة الاسلام فعهد إليه بالتضحية والفداء، وقد أدلى الحسين بذلك حينما عدله المشفقون عليه من الخروج الى العراق فقال (ع) لهم :

” أمرني رسول الله (ص) بامر وأنا ماض إليه.. ” .

ويقول المؤرخون :

ان النبي (ص) كان قد نعى الحسين الى المسلمين وإحاطهم علما بشهادتهم وما يعانيه من أهوال المصائب، وكان – باستمرار – يتفجع عليه ويلعن قاتله، وكذلك أخير الامام أمير المؤمنين (ع) بشهادته وما يجرى عليه، وقد ذكرنا في الحلقة الاولى من هذا الكتاب الاخبار المتواترة بذلك.. وكان الامام الحسين (ع) على علم وثيق بما يجرى عليه فقد سمع ذلك من جده وأبيه وقد أيقن بالشهادة، ولم يكن له أي أمل في الحياة فمشى إلى الموت بعزم وتصميم امتثالا لامر جده الذي عهد إليه بذلك.

17 – العزة والكرامة :

ومن أوثق الاسباب التي ثار من أجلها ابو الاحرار هو العزة والكرامة ققد أراد الامويون ارغامه على الذل، والخنوع، فابي إلا أن يعيش عزيرا تحت ظلال السيوف والرماح، وقد أعلن سلام الله عليه ذلك يوم الطف بقوله :

” الا وان الدعي ابن الدعي قد ركز بين اثنتين بين السلة والذلة ، وهيهات منا الذلة يابى الله لنا ذلك ورسوله، ونفوس أبية، وانوف حمية من أن نؤثر طاعة اللئام على مصارع الكرام.. ” .

وقال (ع) :

” لا أرى الموت الا سعادة والحياة مع الظالمين الا برما.. ” .

لقد عائق الموت بثغر باسم في سبيل ابائه وعزته، وضحى بكل شئ من أجل حريته وكرامته .

18 – غدر الامويين وفتكهم :

وايقن الامام الحسين (ع) ان الامويين لا يتركونه، ولا تكف أيديهم عن الغدر والفتك به حتى لو سالمهم وبايعهم، وذلك لما يلي :

1 – ان الامام كان ألمع شخصية في العالم الاسلامي، وقد عقد له المسلمون في دخائل نفوسهم خالص الود والولاء لانه حفيد نبيهم وسيد شباب أهل الجنة، ومن الطبيعي انه لا يروق للامويين وجود شخصية تتمتع بنفوذ قوي :

ومكانة مرموقة في جميع الاوساط فانها تشكل خطرا على سلطانهم وملكهم .

2 – ان الامويين كانوا حاقدين على النبي (ص) لانه وترهم في واقعة بدر، وألحق بهم الهزيمة والعار، وكان يزيد يترقب الفرص للانتقام من أهل البيت النبي (ص) لياخذ ثاراث بدر منهم، ويقول الرواة إنه كان يقول :

لست من خندف إن لم انتقم * من بني احمد ما كان فعل

ولما استوفى ثاره وروى احقاده بابادتهم أخذ يترنهم ويقول :

قد قتلنا القرم من ساداتهم * وعدلناه ببدر فاعتدل

3 – ان الامويين قد عرفوا بالغدر ونقض العهود، فقد صالح الحسن معاوية، وسلم إليه الخلافة ومع ذلك فقد غدر معاوية به فدس إليه سما فقتله، واعطوا الامان لمسلم بن عقيل فخانوا به.. وقد ذكرنا في البحوث السابقة مجموعة من الشخصيات التي اغتالها معاوية خشية منهم .

وقد اعلن الامام الحسين (ع) ان بني أمية لا يتركونه يقول (ع ) لاخيه محمد بن الحنفية :

” لو دخلت في حجر هامة من هذه الهوام لاستخرجوني حتى يقتلوني ” وقال (ع) لجعفر بن سليمان الضبعي :

” والله لا يدعوني حتى يستخرجوا هذه العلقة – يعني قلبه الشريف – من جوفي ” .

واختار (ع) أن يعلن الحرب ويموت ميتة كريمة تهز عروشهم وتقضي على جبروتهم وطغيانهم .

هذه بعض الاسباب التي حفزت أبا الاحرار إلى الثورة على حكم يزيد.

راي رخيص :

ووصف جماعة من المتعصبين لبني أمية خروج الامام على يزيد بانه كان من اجل الملك والظفر بخيرات البلاد، وهذا الراي ينم عن حقدهم على الامام بما احرزه من الانتصارات الرائعة في نهضته المباركة التي لم يظفر بمثل معطياتها أي مصلح اجتماعي في الارض، وقد يكون لبعضهم العذر لجهلهم بواقع النهضة الحسينية، وعدم الوقوف على اسبابها، لقد كان الامام على يقين باخفاق ثورته في الميادين العسكرية، لان خصمه كان يدعمه جند مكثف أولو قوة واولو باس شديد، وهو لم تكن عنده أية قوة عسكرية ليحصل على الملك، ولو كان الملك غايته – كما يقولون – لعاد إلى الحجاز او مكان آخر حينما بلغه مقتل سفيره مسلم بن عقيل، وانقلاب الكوفة عليه، ويعخمل حينئذ من جديد على ضمان غايته، نجاح مهمته لقد كان الامام على علم بان الاوضاع السائدة كلها كانت في صالح بني امية وليس منها مما يدعمه او يعود لصالحه، يقول ابن خلدون :

” ان هزيمة الحسين كانت امرا محتما لان الحسين لم تكن له الشوكة التي تمكنه من هزيمة الامويين لان عصبية مضر في قريش، وعصبية قريش في عبد مناف وعصبية عبد مناف في بني امية، فعرف ذلك لهم قريش وسائر الناس لا ينكرونه ” (11).

لقد كانت ثورة الامام من اجل غاية لا يفكر بها اولئك الذين فقدوا وعيهم، واختيارهم فقد كان خروجه على حكم يزيد من اجل حماية المثل الاسلامية والقيم الكريمة من الامويين الذين حملوا معول الهدم..

يقول بعض الكتاب المعاصرين .

” ويحق لنا أن نسال ما ذا كان هدف الحسين عليه السلام، وماذا كانت القضية التي يعمل من أجلها ؟ أما لو كان هدفه شخصيا يتمثل في رغبته في اسقاط يزيد ليتولى هو بنفسه الخلافة التي كان يطمع إليها، ما وجدنا فيه هذا الاصرار على التقدم نحو الكوفة رغم وضوح تفرق الناس من حوله، واستسلامهم لابن زياد، وحملهم السلاح في اعداد كثيرة لمواجهته والقضاء عليه .

ان أقصر الناس نظرا كان يدرك ان مصيره لن يختلف عما آل إليه فعله، ولو كان الحسين بهذه المكانة من قصر النظر لعاد إلى مكة ليعمل من جديد للوصول إلى منصب الخلافة.. ولو كان هدفه في أول الامر الوصول الى منصب الخلافة ثم لما بلغه مصرع ابن عمه قررموا صلة السفر للثار من قاتليه – كما يزعم بعض الباحثين – استجابة لقضية اهله واقاربه، لو كان هذا هدفه لادرك ان جماعته التي خرجت معه للثار وهي لا تزيد على التسعين رجالا ونساءا واطفالا لن تصل إلى شئ من ذلك من دون ان يقضى على افرادها جميعا، وبغير ان يضحي هو بنفسه ضحية رخيصة في ميدان الثار.

ومن ثم يكون من واجبه للثار ان يرجع ليعيد تجميع صفوف انصاره واقربائه، ويتقدم في الجمع العظيم من الغاصبين والموتورين .

فالقضية اذا ليست في الجمع ثار والهدف ليس هدفا شخصيا، وانما الامر أمر الامة، والقضية كانت للحق، والاقدام اقدام الفدائي الذي أراد أن يضرب المثل بنفسه في البذل والتضحية، ولم يكن اصرار الحسين على التقدم نحو الكوفة بعد ما علم من تخاذل أهلها ونكوصهم عن الجهاد إلا ليجعل من استشهاده علما تلتف حوله القلة التي كانت لا تزال تؤمن بالمثل وتلتمس في القادة من ينير لها طريق الجد في الكفاح.. وتحريكا لضمائر المتخاذلين القاعدين عن صيانة حقوقهم ورعاية صوالحهم” .

والم هذا القول بالواقع المشرق الذي ناضل من أجله الامام الحسين فهو لم يستهدف أي مصلحة ذاتية، وانما استهدف مصلحة الامة وصيانتها من الامويين .

تخطيط الثورة :

ودرس الامام الحسين (ع) أبعاد الثورة بعمق وشمول، وخطط أساليبها بوعي وايمان، فراى أن يزج بجميع ثقله في المعركة، ويضحي بكل شئ لانقاذ الامة من محنتها في ظل ذلك الحكم الاسود الذي تنكر لجميع متطلبات الامة.. وقد أدرك المستشرق الالماني ماريين تخطيط الامام الحسين لثورته، فاعتبر أن الحسين قد توخى النصر منذ اللحظة الاولى ، وعلم النصر فيه، فحركة الحسين في خروجه على يزيد – كما يقول – انما كانت عزمة قلب كبير عز عليه الاذعان، وعز عليه النصر العاجل ، فخرج باهله وذويه ذلك الخروج الذي يبلغ به النصر الاجل بعد موته ، ويحيي به قضية مخذولة ليس لها بغير ذلك حياة .

لقد أيقن ابو الشهداء (ع) ان القضية الاسلامية لا يمكن أن تنتصر إلا بفخامة ما يقدمه من التضحيات فصمم بعزم وايمان على تقديم أروع التضحيات وهذه بعضها :

1 – التضحية بنفسه :

واعلن الامام (ع) عن عزمه على التضحية بنفسه، فاذاع ذلك في مكة فاخبر المسلمين ان أوصاله سوف تتقطع بين النواويس وكربلا، وكان في أثناء مسيرته الى العراق يتحدث عن مصرعه، ويشابه بينه وبين أخيه يحيى بن زكريا وان راسه الشريف سوف يرفع إلى بغي من بغايا بني أمية كما رفع راس يحيى إلى بغي من بغايا بني اسرائيل .

لقد صمم على الموت واستهان بالحياة من أجل أن ترتفع راية الحق وتعلو كلمة الله في الارض وبقي صامدا على عزمه الجبار فلم يرتهب حينما أحاطت به الجيوش الهائلة وهي تبيد أهل بيته وأصحابه في مجزرة رهيبة اهتز من هولها الضمير الانساني، وقد كان في تلك المحنة الحازبة من أربط الناس جاشا، وأمضاهم جنانا، فلم ير قلبه ولا بعده شبيها له في شدة باسه وقوة عزيمته، كما لا يعرف التاريخ في جميع مراحله تضحية أبلغ أثرا في حياة الناس من تضحيته عليه السلام فقد بقيت صرخة مدوية في وجوه الظالمين والمتسبدين .

2 – التضحية باهل بيته :

وأقدم أبو الشهداء (ع) على أعظم تضحية لم يقدمها أي مصلح اجتماعي في الارض، فقد قدم أبناؤه وأهل بيته وأصحابه فداءا لما يرتايه ضميره من تعميم العدل واشاعة الحق والخير بين الناس .

وقد خطط هذه التضحية، وآمن بانها جزء من رسالته الكبرى ، وقد أذاع ذلك وهو في يثرب حينما خفت إليه السيدة أم سلمة زوج النبي تعذله عن الخروج، فاخبرها عن قتله وقتل أطفاله.. وقد مضى إلى ساحات الجهاد وهو متسلح بهذا الايمان، فكان يشاهد الصفوة من أصحابه الذين هم من أنبل من عرفتهم الانسانية في ولائهم للحق، وثم يتسابقون إلى المنية بين يديه، ويرى الكواكب من أهل بيته وأبنائه، وهم في غضارة العمر وريعان الشباب، وقد تناهبت أشلاءهم السيوف والرماح ، فكان يامرهم بالثبات والخلود إلى الصبر قائلا :

” صبرا يا بني عمومني، صبرايا أهل بيتي لا رايتم هوانا بعد هذا اليوم أبدا ! ! ” .

واهتزت الدنيا من هول هذه التضحية التي تمثل شرف العقيدة، وسمو القصد وعظمته المبادئ التي ناضل من أجلها، وهي – من دون شك – ستبقى قائمة على ممر القرون والاجيال، تضئ للناس الطريق، وتمدهم باروع الدروس عن التضحية في سبيل الحق والواجب .

3 – التضحية بامواله :

وضحى أبي الضيم بجميع ما يملك فداءا للقران، ووقاية لدين الله ، وقد هجمت – بعد مقتله – الوحوش الكاسرة من جيوش الامويين على مخيمه فتناهبوا ثقله ومتاعه حتى لم يتركوا ملحفة او ازارا على مخدرات الرسالة الا نهبوه، ومثلوا بذلك خسة الانسان حينما يفقد ذاتياته ، ويمسخ ضميره .

4 – حمل عقائل النبوة :

وكان من اروع ما خططه الامام العظيم (ع) في ثورته الكبرى حمله لعقائل النبوة ومخدرات الرسالة الى كربلاء، وهو يعلم ما سيجري عليهن من النكبات والخطوب، وقد اعلن ذلك حينما عذله ابن عباس عن حملهن معه الى العراق، فقال له :

” قد شاء الله ان يراهن سبايا.. ” .

لقد اراد (ع) بذلك ان يستكمل اداء رسالته الخالدة في تحرير الامة وانقاذها من الاستبعاد الاموي.

وقد قمن تلك السيدات بدور مشرق في اكمال نهضة أبي الشهداء (ع) فايقظن المجتمع بعد سباته ، وأسقطن هيبة الحكم الاموي، وفتحن باب الثورة عليه، ولولا هن لم يتمكن أحد أن يفوه بكلمة واحدة أمام ذلك الطغيان الفاجر، وقد أدرك ذلك كل من تامل في نهضة الامام ودرس ابعادها ” وقد ألمع إليها بعض العلماء والكتاب، وفيما يلي بعضهم :

1 – الامام كاشف الغطاء وأكد الامام الشيخ محمد الحسين آل كاشف الغطاء رحمه الله في كثير من مؤلفاته أن الغاية من خروج الامام بعائلته الى كربلا اكمالا لنهضته وبلوغا إلى هدفه في تحطيم دولة الامويين يقول :

” وهل تشك وترتاب في أن الحسين (ع) لو قتل هي وولده، ولم يتعقبه قيام تلك الحرائر في تلك المقامات بتلك التحديات لذهب قتله جبارا، ولم يطلب به أحد ثارا ولضاع دمه هدرا، فكان الحسين يعلم أن هذا علم لابد منه، وأنه لا يقوم به إلا تلك العقائل فوجب عليه حتما أن يحملهن معه لا لاجل المظلومية بسببهن فقط، بل لنظر سياسي وفكر عميق، وهو تكميل الغرض، وبلوغ الغاية من قلب الدولة على يزيد، والمبادرة إلى القضاء عليها قبل أن تقضي على الاسلام وتعود الناس الى جاهليتها الاولى.. ” (12) .

2 – أحمد فهي يقول الاستاذ السيد أحمد فهمي :

” وقد أدرك الحسين أنه مقتول إذ هو يعلم علم اليقين قبح طوية يزيد، واسفاف نحيزته، وسوء سريرته فيزيد بعد قتل الحسين ستمتد يده الى أن يؤذي النبي (ص) في سلالته من قتل الاطفال الابرياء، وانتهاك حرمة النساء، وحملهن ومن بقي من الاطفال من قفرة الى قفرة ومن بلد الى بلد، فيثير مراى اولئك حفيظة المسلمين، فليس ثمة اشنع، ولا أفظع من التشفي والانتقام من النساء والاطفال بعد قتل الشباب والرجال فهو بخروجه بتلك الحالة أراد أن يثار من يزيد في خلافته، ويقتله في كرامته، وحقا لقد وقع ما توقعه، فكان لما فعله يزيد وعصبته من فظيع الاثر في نفوس المسلمين، وزاد في اضعانهم ما عرضوا به سلالة النبوة من هتك خدر النساء، وهن اللاتي ما عرفن إلا بالصيانة والطهر والعز والمنعة، مما اطلق السنة الشعراء بالهجاء والذم ، ونفر أكثرر المسلمين من خلافة الامويين، واسخط عليهم قلوب المؤمنين ، فقد قتله الحسين أشد من قتله إياه ” (13) .

3 – أحمد محمود صبحي يقول الدكتور احمد محمود صبحي :

” ثم رفض – يعني الحسين – إلا أن يصحب أهله ليشهد الناس على ما يقترفه اعداؤه بما لا يبرره دين ولاوزاع من انسانية، فلا تضيع قضيته مع دمه المراق في الصحراء فيقترى عليه أشد الافتراء حين يعدم الشاهد العادل على كل ما جرى بينه وبين أعدائه، تقول الدكتورة بنت الشاطئ :

افسدت زينت أخت الحسين على ابن زياد وبني أمية لذة النصر، وسكبت قطرات من السم الزعاف في كؤوس الظافرين وان كل الاحداث السياسية التي ترتبت بعد ذلك من خروج المختار وثورة ابن الزبير وسقوط الدولة الاموية وقيام الدولة العباسية ثم تاصل مذهب الشيعة انما كانت زينب هي باعثة ذلك ومثيرته (14) .

أريد أن أقول ما ذا يكون الحال لو قتل الحسين ومن معه جميعا من الرجال الا أن يسجل التاريخ هذه الحادثة الخطيرة من وجهة نظر أعدائه فيضيع كل اثر لقضيته مع دمه المسفوك في الصحراء.. ” (15) .

هذه بعض الاراء التي تدعم ما ذكرناه من أن خروج الحسين (ع) بعائلته لم يكن الغرض من إلا بلورة الراي العام، وايضاح المقاصد الرفيعة التي ثار من أجلها ومن أهمها القضاء على دولة الامويين التي كانت تشكل خطرا مباشرا على العقيدة الاسلامية وهناك راي آخر أدلى به العلامة المغفور له الشيخ عبد الواحد المظفر، وهو ان الحسين انما خرج بعائلته خوفا عليها من اعتقال الامويين وزجها في سجونهم قال :

” الحسين لو أبقى النساء في المدينة لوضعت السلطة الاموية عليها الحجر، لا بل اعتقلتها علنا وزجتها في ظلمات السجون، ولابد له حينئذ من أحد أمرين خطيرين كل منهما يشل أعضاء نهضته المقدسة ! اما الاستسلام لاعدائه واعطاء صففته لهم طائعا ليستنفذ العائلة المصونة وهذا خلاف الاصلاح الذي ينشده، وفرض على نفسه القيام به مهما كلفه الامر من الاخطار، أو يمضي في سبيل احياء دعوته، ويترك المخدرات اللواتي ضرب عليهن الوحي سترا من العظمة والاجلال، وهذا مالا تطيق احتماله نفس الحسين الغيور ولا يرادع امية رادع من الحياء، ولا يزجرها زاجر من الاسلام .

ان امية لا يهمها اقتراف الشائن في بلوغ مقاصدها، وادراك غاياتها فتتوصل الى غرضها ولو بارتكاب أقبح المنكرات الدينية والعقلية .

ألم يطرق سمعك سجن الامويين لزوجة عمرو بن الحمق الخزاعي ، وزوجة عبيد الله بن الحر الجعفي واخيرا زوجة الكميت الاسدي ” (16).

وعلى أي حال فقد حطم الامام بخروجه لعائلته جميع مخططات السياسة الاموية ونسف جميع ما أقامه معاوية من معالم الظلم، فقد قمن عقائل الوحي بدور فعال ببث الوعي الاجتماعي، وتعريف المجتمع بواقع الامويين وتجريدهم من الاطار الديني، ولولاهن لاندرست معالم ثورة الحسين، وذهبت ادراج الرياح .

إن من ألمع الاسباب في استمرار خلود ماساة الامام الحسين (ع ) واستمرار فعالياتها في بث الاصلاح الاجتماعي على امتداد التاريخ هو حمل ودائع الرسالة وعقائل الوحي مع الامام فقد قمن بدور مشرق ببلورة الراي العام، فحملن راية الايمان التي حملها الامام العظيم، ونشرن مبادءه العليا التي استشهد من أجلها، فقد انبرت حفيدة الرسول (ص) وشقيقة الحسين السيدة زينب بنت امير المؤمنين (ع) الى ساحات الجهاد، وهي تدك حصون الظالمين، وتدمر جميع ما احرزوه من الانتصارات في قتل اخيها، وتلحق بهم الهزيمة والعار، وتملا بيوتهم ماساة وحزنا .

لقد اقبلت قائدة المسيرة الحسينية عقيلة الوحي زينب (ع) الى ساحة المعركة وهي تشق صفوف الجيش تفتش عن جثمان اخيها الامام العظيم فلما وقفت عليه شخصت لها ابصار الجيش، واستحال الى سمع فماذا تقول أمام هذه الخطوب المذهلة التي تواكبت عليها ؟ انها وقفت عليها غير مدهوشة لم تذهلها الرزايا التي تميد منها الجبال، فشخصت يبصرها الى السماء ؟ وهي تقول بحماسة الايمان وحرارة العقيدة قائلة :

” اللهم تقبل منا هذا القربان ” .

واطلقت بذلك أول شرارة للثورة على الحكم الاموي بعد أخيها، وود الجيش أن تسبخ به الارض فقد استبان له عظم ما اقترفه من الاثم وانه قد أباد عناصر الاسلام، ومراكز الوعي والايمان .

ولما اقتربت سبايا اهل البيت (ع) الى الكوفة خرجت الجماهير الحاشدة لاستقبال السباسا فخطبت فيهم عقيلة الوحي خطابا مثيرا ومذهلا واذا بالناس حيارى لا يعون ولا يدرون قد استحالت بيوتهم إلى ماتم وهم يندبون حظهم التعيس ويبكون على ما اقترفوه من الجرم، وحينما انتهت الى دار الامارة استقبلها الطاغية متشفيا باحط واخس ما يكون التشفي قائلا :

” كيف رايت صنع الله باخيك ؟ ” وانطلقت عقيلة بني هاشم ببسالة وصمود فاجابته بكلمات النصر والظفر قائلة :

” ما رايت إلا جميلا هؤلاء قوم كتب الله عليهم القتل فبرزوا الى مضاجعهم، وسيجمع الله بينك وبينهم فتحاج وتخاصم فانظر لمن الفلج يومئذ ثكلتك أمك يابن مرجانة ” .

واخزت هذه الكلمات ابن مرجانه فكانت اشق عليه من ضرب السيوف وطعن الرماح، ولما انتهت إلى الشام هزت العرش الاموي بخطابها المثير الرائع، وحققت بذلك من النصر ما لم تحققه الجيوش…

لقد كان حمل الامام الحسين لعائلته قائما على أساس من الوعي العميق الذي احرز به الفتح والنصر .

وبهذا ينتهي بنا الحديث عن بعض اسباب الثورة الحسينية ومخططاتها .

(1) تفسير المنار 1 / 367، و 12 / 183 و 185.

(2) الثائر الاول في الاسلام (ص 79).

(3) سبط الرسول (ص 133) .

(4) نظرية الامامة لدى الشيعة الاثنى عشرية (ص 334).

(5) الامام الحسين (ص 94).

(6) الطبري 6 / 197.

(7) تاريخ التمدن الاسلامي.

(8) تاريخ اليعقوبي 2 / 206.

(9) حياة الامام الحسن 2 / 288 الطعبة الثانية.

(10) الطبري 6 / 200.

(11) المقدمة (ص 152).

(12) تحدث الامام كاشف الغطاء عن هذه الجهة بالتفضيل في كتابه السياسة الحسينية.

(13) ريحانة الرسول (ص 167) .

(14) بطلة كربلا (ص 176 و 180).

(15) نظرية الامامة لدى الشيعة الاثنى عشرية (ص 343) .

(16) توضيح الغامض من اسرار السنن والفرائض (ص 297 – 298).

مقالات ذات صله

الرد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *