الرئيسية / استفتائات حول الشعائر / آية الله الفاني (قدس سره)

آية الله الفاني (قدس سره)

آية الله الفاني (قدس سره)

نص ما كتبه سماحة آية الله العظمى السيد علي الحسيني الفاني (طاب ثراه)

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين، وصلى الله على سيدنا محمد، وعلى آله الطاهرين، واللعنة على أعدائهم إلى يوم الدين.

نرى من أعظم القربات إلى المولى جلّ سلطانه، وأقرب الوسائل إلى النبي الأعظم وآله صلوات الله عليه وعليهم، تلك المآتم والشعائر الحسينية، إذ بها يحيا أمر الأئمة (عليهم السلام)، بل بها تقوم قائمة التبشير الديني والتبليغ المذهبي، وإليك فوائد إقامة العزاء على مظلوم الخافقين بجميع ما لها من الأنواع والأنحاء من ذكر مناقبه على المنابر ومصائبه في المجالس وإنشاء المراثي في اضطهاده والبكاء عليه وعلى أولاده وأصحابه وعياله واللطم على الخدود والصدور والضرب بالسلاسل على الظهور وسير المواكب في الطرقات والشوارع بل التطبير والشبيه والضرب بالدمام واقتحام النار، وهي أمور:

الأول: تبليغ الرسالة الإلهية ونشر الأحكام الشرعية، إذ المحسوس والمعهود من الطائفة الجعفرية الرغبة الملحّة في الحضور في مجالس عزاء الحسين (عليه السلام) والمتعارف من الخطباء، رحم الله الماضين منهم، وجزى الله الباقين عن الإسلام أحسن الجزاء، أنهم يجعلون المنبر وسيلة للدعاية الحقة وبث المعارف الإلهية ونشر المسائل الشرعية، إلى غير ذلك مما يوجب معرفة الشيعة بعقائدهم وأحكامهم وسائر الشؤون الدينية، والذي يحضر في مأتم للبكاء على الحسين (عليه السلام) لا محيض له عن استماع مطلب ديني، وهذا واضح جداً.

الثاني: إن الناظر في أحاديثنا لا يشك في ترغيب الأئمة (عليهم السلام) إلى إحياء أمرهم والتحدث بفضائلهم لا تشهيّاً منهم وأنانية وحاشاهم عن ذلك بل لإفضاء ذلك إلى التمسك بالعقائد الحقة والعمل بشريعتهم، ومن البديهي أن الشعائر الحسينية إحياء لأمر الأئمة (عليهم السلام) ناطقة أم صامتة.

الثالث: إن البكاء والإبكاء والتباكي على الحسين (عليه السلام) مما أمر به في الأخبار المستفيضة بل المتواترة، وقد بلغ التحريض عليه إلى أن جعل ثواب البكاء عليه قدر جناح ذباب غفران الذنوب، وإنما الشعائر الحسينية مبكيات بالوجدان.

الرابع: لا شك أن توحيد الصفوف واجتماع الأفراد وائتلاف الجماعات يترتب عليه الغرض المقصود من هؤلاء، سياسياً، علمياً، صناعياً، وغير ذلك، ولا جامع بين الشيعة أسهل حصولاً وأوسع نطاقاً وأشد ائتلافاً من المآتم والشعائر الحسينية وبها تقوى شوكة الطائفة الجعفرية وترغم أنوف أعدائهم إذ يرون أنه كلما يحاولون تفريقهم وإلقاء البغضاء بينهم بشتى الوسائل تجمعهم ذكرى الحسين روحي له الفداء، وتؤلفهم تلك المواكب النيرة.

الخامس: إن الاستنكار من الظلم سبب لفرار الروح عنه، وذلك إنما يحصل إذا رأى الإنسان صورة الظلم والبشعة نصب العين، والشبيه إنما يمثل آخر حد للظلم البشري، فيه يستنكر الإنسان كل ظلم من كل ظالم، وإن كان هو نفسه.

السادس: إن تحليل وقعة الطف قولاً أم عملاً إنما هو بيان للبطولة والشجاعة والمناعة والصبر والجود والعز والانطلاق نحو المبادئ الحقة والفرار عن استعباد الجناة وغير ذلك.

فالمتأمل في تلك الفاجعة بشؤونها والناظر في تلك المواكب بمثلها إنما يرى فرساناً كاملين ورجالاً أحراراً معتنقين للوحي السماوي، فترتسم في ذهنه تلك الملكات الفاضلة، ويتبعهم في الأخلاق الحسنة، فيتخلق بأخلاق الله، وذلك هو الفوز العظيم.

السابع: الحسين (عليه السلام) إنما استشهد هو وأرحامه وأصحابه وسبي عياله بعدما رأى بأن الظلمة الطغاة يريدون إطفاء نور الدين وتعطيل فرائض رب العالمين، فأقام الدين بقبول الشهادة وأقام الصلاة وآتى الزكاة وأمر بالمعروف ونهى عن المنكر بهذه التضحية التي بهرت العقول وحيّرت الأفهام.

فذكر الحسين (عليه السلام) قولاً أم عملاً إنما هو ذكر للصلاة والصوم والزكاة وغير ذلك من الواجبات الشرعية وذلك يوجب سوق المؤمنين: (أهل المواكب وأرباب العزاء إن كانوا في يقظة ووعي سليم) نحو تلك الواجبات.

الثامن: قد وردت في عدّة من الروايات مثوبات كثيرة لصلة الإمام (عليه السلام) وصرف المال لأجله.

ومن المحسوس أن ذكر الحسين (عليه السلام) بجميع أنواعه ملزوم للنفقات الكثيرة بل الهائلة، أضف إليه ما يستفيده فقراء الشيعة وذووا الحاجات منهم من قبل تلك الشعائر مما يحتاجون إليه من المال والطعام على النحو المتداول المشهود، وما ذكرنا إنما هو بعض الفوائد المترتبة.

شبهات واهية:

وهناك شبهات حول الشعائر وحدها (ولو لم تسدّ أفواه المشككين بالبراهين ورأوا مجالاًَ لإلقاء الشبهات لزادوا فيها وتجاوزوا الشعائر إلى إقامة العزاء، بل إلى زيارة المشاهد المشرفة والبكاء عليهم، إذ المعاند لا يقنع بالقليل، وقد ابتلينا نحن الشيعة بخصماء من الخارج والداخل وشاهدنا منهم ما شاهدنا وسمعنا منهم ما سمعنا وإلى الله المشتكى) وهي أمور:

الأول: إنه لم تعهد هذه الأمور في زمن المعصومين (عليهم السلام) وهم أهل المصيبة وأولى بالتعزية على الحسين (عليه السلام) ولم يرد في حديث أمر بها منهم، فهذه أمور ابتدعها الشيعة وسمّوها الشعائر المذهبية والمأثور إن كل بدعة ضلالة وكل ضلالة في النار.

والجواب واضح جداً، إذ ليس كل جديد بدعة، إذ البدعة المبغوضة عبارة عن تشريع حكم اقتراحي لم يكن في الدين ولا من الدين، والروايات الواردة في ذم البدعة والمبتدع ناظرة إلى التشريع في الدين، بل هي واردة مورد حكم العقل بقبح التشريع من غير المشرع بعنوان أنه شرع إلهي ومستمد من الوحي السماوي، وإلا فأين محل الشبهات الحكمية التي وردت الروايات بالبراءة فيها وحكم العقل بقبح العقاب عليها؟

وبديهي أن الشعائر الحسينية ليست كذلك كيف والإبكاء مأمور به وهو فعل توليدي يحتاج إلى سبب وهو إما قولي كذكر المصائب وإنشاء المراثي، أو عملي كما في عمل الشبيه فللفقيه أن يحكم بجواز تلك الشعائر لما يترتب عليها من الإبكاء الراجح البتة، كما أن التعزية عنوان قصدي، ولابد له من مبرز، ونرى أن مبرزات العزاء في الملل المختلفة، وما تعارف عند الشيعة ليس مما نهى عنه الشرع أو حكم بقبحه العقل.

وعلى المشكك أن يفهم المراد من البدعة ثم يطبقها على ما يشاء إن أمكن.

الثاني: إن سير المواكب في الشوارع في الوقت الحاضر يوجب استهزاء الأجانب علينا.

والجواب: إن كل ملة لها مراسيم مذهبية واجتماعية، وليس ما عند الأجانب بالطف مما عندنا مضافاً إلى أن الدين لا يُهجر ولا يتغير بمسخرة المعاند، بل أليس لنا أن نسخر ممن يرى الدعارة فخراً والغدر هدى والجناية تقدما ثم يتهمنا بالرجعية؟

نعم بعثهم على الاستهزاء بنا تخدير أعصابنا واستغلال وحدتنا المذهبية الكبرى.

الثالث: إن تلك النفقات لو صرفت في تعديل النظام الاقتصادي لكان أحسن لو لم نقل بأن صرف المال فيما لا يفيد إسراف بغيض.

والجواب: إن خير المال ما يوصل به الإمام (عليه السلام)، وقد ورد في الأخبار مثوبات كثيرة لمن يراعي مصلحة الإمام (عليه السلام) ويصرف المال في شؤونه.

وياليت المشكك يرى بأن النظام الاقتصادي إنما يحصل بالاجتناب عن الكسل والبطالة وعن صرف المال في الملذات المخزية.

الرابع: إن ضرب السلاسل على الظهور والتطبير والاقتحام في النار إضرار بالنفس وهو حرام، ولا يؤتى المستحب من طريق الحرام.

والجواب: أنه لم يدل دليل على أن أمثال تلك الأمور مع عدم الانجرار إلى قتل النفس أو نقص الطرف حرام، فالتطبير مثلاً على النحو المتداول مع الأمن من تلف النفس لا سيما من المحنك المدرب ليس بإضرارٍٍٍٍٍٍٍٍٍٍٍ دل الدليل على حرمته، وكذا الاقتحام في النار على النحو الذي سمعناه ليس بنفسه سبباً لهلاك النفس فلا يشمله قوله تعالى: (ولا تقتلوا أنفسكم) (10). وقول المعصوم (عليه السلام): المؤمن لا يقتل نفسه.

وبالجملة إيراد الجرح على الطرف إطلاقه ليس بحرام، فكيف بضرب السلاسل على الظهور؟ ولقد شققن الجيوب ولطمن الخدود الفاطميات على الحسين بن علي (عليهما السلام) وعلى مثله تلطم الخدود وتشق الجيوب.

الخامس: إن الشبيه قبيح لما فيه من التشبّه بأعداء الله وهو منهي عنه والتشبه بأوليائه وهو توهين بهم، وتشبّه الرجل بالمرأة وهو حرام.

والجواب: إن التشبيه بأعداء الله لو قلنا بكونه حراماً حتى في المطعم والملبس، فلا ريب في كون المراد منه التشبه الذي به يعد منهم ويندمج في حزبهم ويسلك به في طريقهم ويدخله في طريقتهم، وأما مجرد التلبس بلباس (نسب إليهم جعلاً للعلامة) بداعي التنفير منهم والاستنكار عليهم، فليس من التشبه الحرام، وأما التشبه بأولياء الدين لإظهار مظلوميتهم فليس إلا تقرباً إليهم لا توهيناً بهم، وأما التشبه بالنساء فالمراد منه اتخاذ زيّهن لا مجرد التلبس بلباسهن لغرض آخر غير التجمل بذلك.

وبالجملة إطلاق أدلة الإبكاء والعزاء شاملة لكل ما ذكر في السؤال، وعلى فرض الشك أصالة البراءة كافية للحكم بالجواز.

وأنا أرى في تلك الشعائر جواباً عن نداء الحسين (عليه السلام) يوم عاشوراء: هل من ناصر ينصرني؟

وفي الختام نشير إلى أن شرط التطبير والاقتحام في النار إنما هو الأمن من هلاك النفس، وهو حاصل غالباً لغالب الناس والحمد لله.

ونحن إذ نحبذ تلك الجذبة الإلهية نوصي إخواننا المؤمنين أن يجتنبوا المحارم ولا يخلطوا أعمالهم الصالحة بالمحرمات ولا يتركوا الصلاة وسائر الواجبات اغتراراً بحب الحسين (عليه السلام).

14/صفر الخير/سنة 1384 هـ

الأحقر

علي الحسيني الأصفهاني

العلامة الفاني

الخاتم المبارك

10- سورة النساء: الآية 29.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

http://www.20script.ir