نتائج ثورة الإمام الحسين (ع)..

نتائج ثورة الإمام الحسين (ع)..

يمكن حصر النتائج التي تمخضت عنها ثورة الإمام الحسين (ع) وما آلت إليه الأمور بعد فاجعة كربلاء في ما يلي:

– الجوانب العامة للمجتمع

– الآثار النفسية على الأمة الإسلامية.

– الانفعالات المصاحبة لذكرى استشهاد الإمام الحسين (ع).. ويمكن إنَّ نقول أن الجوانب العامة تحددت في الميادين التالية:

1- تحطيم الإطار الديني المزيَّف الذي كان الأمويون وأعوانهم يحيطون به سلطانهم، وفضح الروح اللادينية الجاهلية التي كانت توجه الحكم الأموي.

2- بث الشعور بالإثم في نفس كل فرد، وهذا الشعور الذي تحول إلى نقد ذاتي من الشخص لنفسه يقوم على ضوئه موقفه من الحياة والمجتمع.

3- بعث الروح النضالية في الإنسان المسلم من أجل إرساء المجتمع على قواعد جديدة (7).

لقد دأب الأمويون على استغلال الدين أبشع استغلال لصالح قضيتهم في استلاب الحكم من أصحابه الحقيقيين فلجأوا إلى تزييف الحقائق وإبداء الرأي في مسائل هم أبعد أهل قريش عنها، وموقفهم واضح من معاداة النبي (ص) في دعوته ومحاربته حتى فتح مكة. والشواهد التاريخية تغني الباحث عن الحقيقة في تاريخنا الإسلامي. فقد حوّل معاوية الدين إلى وسيلة لتثبيت سلطانه بعد أن نجح في استمالة طائفة كبيرة من الاتباع الذين وضعوا الأحاديث المكذوبة عن النبي (ص) وآله، وقد استغل ضعفاء النفوس من الذين كانوا يشكلون وسائل الدعاية المتبعة آنذاك لتدعيم سلطانه بنشر الأكاذيب، فثورة الإمام الحسين (ع) أزالت تلك الغشاوة التي اصطنعها معاوية ومن جاء بعده يزيد وأمثاله، واستطاعت أن تكشف هذا الحكم على حقيقته وما به من جاهلية بغيضة نقلها معه ككيان أسري وتنظيم اجتماعي لم يغادره حتى عندما أعلن الأمويون الأوائل دخولهم الإسلام عنوة، فابتعاد معاوية ودولته عن الإسلام والمفاهيم والقيم الاسلامية، والتعامل الاجتماعي الذي ساد المجتمعات الإسلامية خلال فترة حكم الرسول (ص) على الأقل، ومن الشواهد التي تناقلتها لنا كتابات المؤرخين أن معاوية ومن حكم بعده أبعدوا المسلمين من غير العرب في المشاركة بحكم الدولة الإسلامية، وفي زمن الإسلام، فضلاً عن أنه سن الوراثة أسلوباً للحكم في دولته التي أقامها في الشام على أنقاض الفتن التي قادها مع بني أمية ضد الإسلام منذ مقتل عثمان بن عفان، واستغلاله هذه الواقعة أبشع استغلال، فضلاً عن قدرة بني أمية على تشويه معالم الدين من خلال ادعائهم لصلة القرابة مع آل الرسول (ص).. ومحاولة تثبيت حكمهم على أساس تلك الادعاءات، فكانت ثورة الإمام الحسين (ع) هي المحكُّ الذي أسقط كل تلك الادعاءات.

أما الميدان الثاني من النتائج التي تمخضت عنها ثورة الإمام الحسين (ع) فهو بثُّ عقدة الشعور بالإثم لدى أفراد أمة عرفت، ولم تقدِّم العون، وتعرف أنها على خطأ، لكنها تغاضت حباً بالأموال والعطايا تارة، وحباً بالحياة الخانعة تارة أخرى، وصفوة القول أن الخصائص العامة للعلاقات الاجتماعية التي كانت سائدة آنذاك في المجتمع تثبت وجود عنف التأثرات والانفعالات وخلوها من الاعتدال، وكما عبر عنها علماء النفس بقولهم: استبقاء قدر من إدراك الواقع مقابل ثمن هو تحقيق بعدٍ كاف بين التراث والسلطة، ضرورياً للإبقاء على الصلة الزائفة (8)، وهذه الصلة كشفتها ثورة الإمام الحسين (ع) عندما هزت الكيان الإنساني بأسره لدى أمة عرفت الخطأ، وطأطأت الرؤوس وقبلته، ويرى (شمس الدين) أن لهذا الشعور بالإثم طرفين فهو من جهة يحمل صاحبه على أن يكفّر عن إثمه الذي ارتكبه وجرمه الذي قارفه، وهو من جهة أخرى يثير في النفس مشاعر الحقد والكراهية لأولئك الذين دفعوه إلى ارتكاب الإثم (9) فالفرد الذي وقف متفرجاً على مذبحة الإمام الحسين (ع) في كربلاء ولم يفعل شيئاً، إنما يدل على انغماس الحدود بين الذات والآخر، فشعور المرء بالعجز عن تقديم أي شيء هو في أساسه إحساس بأن كيانه أصبح نهباً يغير عليه الآخرون متى شاءوا، إنه شعور بالعجز وفي نفس الوقت بالإثم لدى من لا يقوى إلا على أن يكون مشاهداً محروماً بفعل الخواء والضعف، وهي حالة من لا يعرف لنفسه كياناً إلا بالظفر بما ظفر به الآخرون، ولا تتحدد معالم ذاته إلا بالقياس إلى ما يملكه الآخرون، فهو يرى شخصاً مغتصبا أسيراً للآخرين، ويود من جهته أن يغتصب ويأسر الآخرين، فكأنه يلعب أدوار الموقف كله لا دوره هو وحده، لأن ذاته يعوزها الاستقلال والتميز عن الآخرين.. (10).

الشعور بالإثم إذاً إحساس بالهزيمة والانسحاب، هزيمة يعيشها المجتمع الذي يعاني الوهن والضعف في حياته الفعلية، وبعبارة أخرى إنها ضرب من التعاطف تختلط فيه معالم الذات بالآخر، إلا أنه تعاطف معذّب ظل يشاهد المأساة ولا يستطيع أن يحرك ساكناً، ظل خانعاً مهزوماً من الداخل ولم يفعل شيئاً!! ولقد قدر لبقية آل البيت (عليهم السلام) أن يلهبوا هذا الشعور بالإثم وأن يزيدوه حدّة ومرارة فهذه السيدة زينب بنت علي (ع) وقفت في أهل الكوفة، وقد احتشدوا يحدقون في موكب الرؤوس والسبايا ويبكون فأشارت إليهم أن اسكتوا، فسكتوا ومضت تقول:

(أما بعد يا أهل الكوفة، أتبكون فلا سكنت العبرة، ولا هدأت الرنة).

وقد قدر لهذا الشعور بالإثم أن يبقى مشتعل الأوار، حافزاً دائماً إلى الثورة والانتقام وقدر له أن يدفع الناس إلى الثورات على الأمويين كلما سنحت الفرصة ثم لا يرتوي ولا يهدأ ولا يستكين، وإنما يطلب من صاحبه ضريبة الدم باستمرار (11).

أما العامل الأخير من النتائج التي تمخضت عنها ثورة الإمام الحسين (ع)، فهو انبعاث روح الثورة ورفض الواقع الذي فرضته الدولة الأموية بكل قوتها ودهاء مؤسسها، وانكشاف الغمامة عن الناس، لذا عُدَّت هذه الثورة بحق البداية التي حطمت الحاجز النفسي والاجتماعي للخضوع، فبات الإنسان يعيش بين حدة تهديد الحياة، وغياب ذلك التهديد الفعلي لدرجة اعتقاد الناس انهم سيموتون حتما بفعل ما يمارس ضدهم، وزيادة مشاعر الذنب أمام المفقودين من آل البيت (ع) لذا برزت بشكل واضح أمام الناس ظاهرة التفاعل مع الحدث والفجيعة، ومن تلك الأنماط التفاعلية موقف الجمود والتوتر الذي لا يمكن للشخص التحكم فيه بعد انتهاء الفاجعة وعقدة الذنب بعدم نصرة الحسين وأهل بيته، وهذه الأعراض وإن بدت على شكل توقف عن كل حركة بعد تلك الأيام العصيبة فضلاً عن مظاهر الإحساس بتلك المشاعر وما يحيطها، هو الشعور بأن كلَّ فرد بات غير فاعل وغير جدير بالاحترام لأنه امتنع عن تقديم المساعدة لآل البيت عليهم السلام وهو قادر عليها، وازدادت استجابات الغضب المصاحب لعقدة الشعور بالإثم والذنب وشدة وطأة الكارثة وعواقبها النفسية. فأحداث فاجعة كربلاء لعبت الدور الكبير في توجيه سلوك الفرد وحالة التحسّس نحو حجم الكارثة، لذا فإنَّ فشل المسلمين في الكوفة خصوصاً، والعراق عموماً في الوقوف مع الحق المتمثل في ثورة الإمام الحسين (ع)، هو الواقع الصادم الذي أجج مشاعر العجز عندهم وفقدان الأمل إلى حد بعيد في إيجاد حلول للمأساة، وهو شعور الأسى الذي عانوا منه، وخرجت على أثر تلك الانفعالات والأحاسيس دعوات الثأر للحسين (ع).

الآثار النفسية لفاجعة كربلاء

إن الألم المعنوي والشقاء المقرونين بعذاب مزمن مع ما قد يعقبهما من انعكاس (12) على الصعيد الجماعي للمجتمع يشرح الأسباب والتغيرات التي ظهرت في مراحل لاحقة إثر واقعة كربلاء، فالأحداث مرت على الأمة في العاشر من محرم عام 61 هـ، وخلّفت وراءها تفاعلات لم تظهر مباشرة، وإنما ظهرت من خلال ما رُصِد من ثورات متلاحقة على المستوى الشعبي الجمعي، أما على المستوى الفردي، فحالة الشقاء النفسي وردود الفعل مع درجة عالية من الإحساس الداخلي لإطلاق العنان للاستجابة أمام أي فعل يقلِّل من عقدة الإثم والذنب، حتى وإن تعرض للقمع أو التنكيل، ومن الحالات الدافعة لإعادة تقييم الموقف، انفعال الغضب العارم، حيث يعرِّفه علماء النفس بأنه درجة عالية من النشاط وبشعور قوي من عدم الرضا سببه خطأ وهمي أو حقيقي فغالباً ما يكون الغضب مصحوباً برغبة في الثأر، وقد يؤدي إلى سلوك صامت أو الانسحاب أو إلى الانهيار أو إلى الثأر (13) ومن المسَّببات التي تقود إلى الغضب ومن ثَمَّ تثير حالة الانتقام وترسيخ روح الثأر هي حالة الإحباط، وحالة الألم الجسدي، والتقريع، وحالة الإهانة والتهديد، والشعور بالإثم والذنب.

ولو استعرضنا حالة الإحباط الذي عاشه الناس بعد مذبحة كربلاء لوجدنا حدته قد ظهرت في الثورات التي تلت استشهاد الإمام الحسين (ع) وآل بيته، وانتشار روح الانتقام، وحالة الغضب العارم بين القبائل التي أجَّجتها ثورة الإمام الحسين (ع) ونستعير إيجازها من الشيخ شمس الدين وهي كما يلي:

الانفعالات المصاحبة لذكرى استشهاد الإمام الحسين (ع)

يرى طه حسين أنَّ الاضطهاد يعطف القلب على الذين تلم بهم المحن وتصب على رؤوسهم الكوارث وتبسط عليهم يد السلطان الجائر. وقد دفع اشتداد المحن وتراكم المظالم على أولاد علي وفاطمة إلى إثارة دفائن القلوب والمحبة لهم، فرأى الناس فيهم شهداء الظلم والفضيلة، فاتسع نطاق الولاء لهم وكثر أنصارهم الذين التفوا حول محور شرعية آل علي في الخلافة التي أخذت تتسع وتتعمق في الضمائر لتكسب تأييداً متنامياً عند كافة المسلمين – وكلما ازداد الظلم والاستبداد، اخذ المسلمون بالتوجه نحو من يهديهم إلى الحق والعدالة ويخلصهم من الظلم والجور (14)، ولكن هذه الهواجس وحالات التمرد الداخلي مع التنافر الوجداني بين الثورة على الطاغية الظالم، وامتداد عبير ثورة الحسين، ظلا بين نارين، بين ضعف الإقدام وقوة الأحجام، وهكذا استمرت السنوات تغلي بالانفعالات داخل صدور شيعة علي، فكانت الذكرى تصدح كل عام لتعيد للأذهان ملحمة كربلاء التي قادها رجل في أمة، وأمة في رجل، حتى بات الحسين، جوهر الوجود الإنساني في حياته، وفي شهادته، وفي خلوده بعد الاستشهاد. ولم تحظ شخصية عبر تاريخ الإنسانية منذ آلاف السنين، بما حظي به سيدنا الشهيد الإمام الحسين (ع) فكانت تعتلج الصدور بالآهات والحسرات عند اقتراب موعد ذكرى استشهاده، ولم تطفأ تلك الخلجات أو تهن رغم مرور ما يقارب الألف وثلاثمائة وستين عاماً على استشهاده ورحيله، ولنا أن نرصد في ذكرى استشهاده تلك الانفعالات الجديرة بالمشاهدة والقياس، إذا ما توخينا في المنهج العلمي الحديث، الدقة والموضوعية برصد الأحداث النفسية والاجتماعية للإنسان بوصفه كائناً بشرياً يعيش في مجتمعات تحضرت وامتدت، لها سمات التطور في نسيجها الاجتماعي، حتى تكونت حضارة جديدة، فلم تخبُ هذه الذكرى، بل كلما اشتدت قسوة الحياة وازدادت تعقيداتها، وازدادت قساوة الظالم، كان الحسين شامخاً كأول ثائر ضد الانحراف والظلم والطغاة، ورغم انه ثار وهو يعرف بأنه سوف يستشهد لا محالة ولكنه كان يأمل في أن يبعث الروح في هذه الضمائر الميتة، كما قال (ع): (إني لم أخرج أشراً ولا بطراً ولا مفسداً ولا ظالماً، وإنما خرجت لطلب الإصلاح في أمة جدي أريد أن آمر بالمعروف وأنهى عن المنكر) (15). فكلُّ تلك المجريات للأحداث عبر القرون ولَّدتْ حالات من الانفعال والغضب الكامن داخل النفس الإنسانية حين تمر ذكرى استشهاد الإمام الحسين (ع)؛ لذا تكاد الحدود القائمة بين ذواتنا وآل البيت (ع) تختفي في الحالات الانفعالية، وهي سمة إنسانية تتمثل بالحب لهم والتعاطف معهم والغيرة عليهم، فالمحب يكاد يجعل حبيبه بعض نفسه، فيستشعر مشاعره وتقوم بينهما مشاركة وجدانية تختلط فيها خبرة المحب (ذاته) مع خبرة آل البيت في ما مر بهم من ألم ومعاناة وعذاب، فمحب آل البيت إذاً كالهائم بين أن يرفع في ذاته عنهم جزءاً من حملهم الثقيل وما عانوه، فهو يشاركهم في مصابهم، فراح يبحث حالات التوحد (*) معهم وبهم، وحالات الوجد فيهم، ويبحث عن الوصول إليهم بما درَّتْ مآقيه عليهم، حتى تكاد تنعدم معالم ذاتيته وحدودها معهم، وأعلى حالة من تلك هي حالات الانفعال الذي يعيشه في لحظات الألم أثناء ذكرى الاستشهاد وزمن حدوثها، ووقت حدوثها، فالانفعالات هي حالات داخلية لا يمكن ملاحظتها أو قياسها مباشرة، ففي أثناء تفاعل الأفراد مع الخبرات التي يتعرضون لها تنشأ الانفعالات فجأة، وتلك المشاعر تتصف بعدم القدرة على التحكم فيها، حيث لا يمكن بسهولة إصدارها أو كفها، ويتأثر السلوك بكل من التعلم والسياق الاجتماعي الذي يحدث فيه ومع ذلك يستجيب الأفراد دائماً لتلك المشاعر بالأفكار أو الكلمات أو الأفعال. وتبقى ذكرى الحسين واستشهاده في كربلاء شعيرة دينية تمثل الكثير لدى المسلمين عامة وخاصة عند حلول ذكرى الاستشهاد.

المصادر:

ــــــــــــــــــــ

(1) (2) (3) (6) (7) (9) دوافع الثورة وأسبابها: محمد مهدي شمس الدين (في) دائرة المعارف الإسلامية الشيعية م 1، ط 6، حسن الأمين، دار التعارف للمطبوعات، بيروت، لبنان (1997)، ص 375، ص 14، ص 381، ص 383.

(4) الشعائر الحسينية: ط 5، السيد حسن الشيرازي، مؤسسة الإمامية للطباعة والنشر، بيروت لبنان/ 2000، ص 23.

(5) تحف العقول: أبو محمد الحسن الحراني مطبعة شريعت، إيران (1421 هـ)، ص 65.

(8) (10) في النفس مصطفى زيور، دار النهضة العربية، بيروت لبنان (1986)، ص 15، ص 111.

(12) الصدمة النفسية: مجموعة من الباحثين، إشراف محمد أحمد النابلسي، دار النهضة العربية، بيروت لبنان (1991)، ص 250.

(13) مدخل علم النفس: ليندا. ل، دافيدوف، ترجمة سيد الطواب وآخرون، دار ماكجروهيل القاهرة، مصر 1983، ص 506، ص 480، ص 393.

(14) تراجيديا كربلاء: إبراهيم الحيدري، دار الساقي بيروت لبنان (1999) ص 34.

(15) ثورة الحسين: محمد مهدي شمس الدين، دار التعارف للمطبوعات، بيروت – لبنان/ 1981 م ص 178.

(*) (التوحد) آليه دفاعية يلجأ إليها الإنسان لا شعورياً في مواقف معينة في الحياة اليومية، وهو أول تعبير عن رابطة انفعالية بشخص آخر