مشروعية لبس السواد

مشروعية لبس السواد

السؤال (الدليل على مشروعية لبس السواد)
بالنسبة للبس السواد في مناسبات وفيات أهل البيت ((عليهم الصلاة والسلام)) وبالخصوص في أيام عزاء أبي عبدالله الحسين ((عليه الصلاة ولسلام))، أحببت لو تزودوني بالأدلة التي تجوز هذا الأمر، وبخاصة من مصادر إخواننا العامة، وما هو الرد على بعض الروايات التي الموجودة في الكافي وبحار الأنوار والتي تنهى عن لبس السواد مثل هذه الرواية:
عن أبي عبدالله عليه السلام قال: لما فتح رسول الله مكة بايع الرجال ثم جاء النساء فقالت أم حكيم: يا رسول الله ماذلك المعروف الذي أمرنا الله أن لا نعصيك فيه؟ فقال ((صلى الله عليه وآله وسلم)): لا تلطمن خدا ولا تخمشن وجها ولا تنتفن شعرا ولا تشقن جيبا ولا تسودن ثوبا))
.. الكافي (5/526) بحار الأنوار (21/134)… علما أن هذه الرواية وجدتها مع مصدرها في نشرة دأب الوهابيون على نشرها في أيام محرم…

الجواب لقد ناقش الفقهاء في أصل مشروعية لبس السواد، إلا أن هناك ما يشبه الاتفاق على جوازه، بل استحبابه في محرم وعاشوراء حزناً على مصاب الإمام الحسين (عليه السلام)، وإليك ما أورده بعضهم:
1ـ في هامش (شرائع الإسلام 1 / 56): ((واستثنى بعضهم ما لبسه للحسين (عليه السلام) فإنه لا يكره، بل يرجّح لغلبة جانب تعظيم شعائر الله على ذلك، مضافاً إلى روايات متظافرة في موارد مختلفة يستفاد منها ذلك)).
2ـ في (الحدائق الناضرة 7 / 118): ((لا يبعد استثناء لبس السواد في مأتم الحسين (عليه السلام) من هذه الأخبار، لما استفاضت به الأخبار من الأمر بإظهار شعائر الأحزان)).
ولم يبين المحقق البحراني الوجه في عدم شمول هذه الروايات لذلك، والوجه في عدم الشمول هو: إن في لبس المؤمنين الثياب السوداء في وفيات الأئمة (عليهم السلام) وبالخصوص في أيام محرم الحرام وشهر صفر إظهاراً لمودتهم، وحبهم لأهل البيت (عليهم السلام) فيحزنون لحزنهم، وإن هذا العمل من المؤمنين إحياء لأمر أهل البيت (عليهم السلام).
وقد روي عنهم (عليهم السلام): (رحم الله من أحيا أمرنا)، فإذا ارتدى عامة الناس من الرجال والشباب والأطفال الثياب السود، كان ذلك ظاهرة اجتماعية تلفت نظر الغريب فيسأل: ماذا حدث؟ بالأمس كان الأمر طبيعياً، وكانت ألوان ثياب الناس مختلفة، وأما اليوم فقد لبسوا كلهم السواد؟!
فعندما يوضح له بأن اليوم يوم حزن ومصيبة على ريحانة الرسول (صلى الله عليه وآله) الإمام الحسين (عليه السلام)، كان هذا الأمر في حد نفسه إحياء لأمره (عليه السلام)، ولهذا اشتهر أن بقاء الإسلام بشهري محرم وصفر، وذلك لأن حقيقة الإسلام والإيمان قد أفحييا بواقعة كربلاء، وهذا دليل لابد من المحافظة عليه لتراه الأجيال القادمة ماثلاً أمامهم، فيحصل لهم اليقين به، فأن الإمام الحسين (عليه السلام) نفسه قد أثبت أحقية التشيع، وأبطل سائر ماعداه.
ثم من الروايات الواردة في استحباب لبس السواد على الإمام الحسين (عليه السلام):
1ـ ما رواه ابن قولويه في كتابه (كامل الزيارات 143 ح 3): إن ملكاً من ملائكة الفردوس الأعلى نزل على البحر ونشر أجنحته عليها، ثم صاح صيحة وقال: يا أهل البحار ألبسوا أثواب الحزن فإن فرخ رسول الله (صلى الله عليه وآله) مذبوح.
وفهم الميرزا النوري من هذه الرواية ـ كما في (مستدرك الوسائل 3 / 328) ـ عدم كراهة لبس السواد، أو رجحانه حزنا على أبي عبد الله (عليه السلام)، كما عليه سيرة كثير في أيام حزنه ومأتمه.
2ـ ما رواه البرقي في كتاب (المحاسن 2 / 420)، بسنده عن عمر بن علي بن الحسين قال: لما قتل جدي الحسين بن علي (عليهما السلام)، لبسن نساء بني هاشم السواد والمسوح، وكن لا يشتكين من حر ولا برد، وكان علي بن الحسين (عليهما السلام) يعمل لهن الطعام للمأتم.
وهذه الرواية إضافة إلى دلالتها على مشروعية لبس السواد بل استحبابه في عاشوراء، تدل على أمور أخرى منها استحباب إقامة المأتم، والإطعام والقيام بخدمة مقيمي مأتم عزاء الإمام الحسين (عليه السلام)، حيث كان الإمام السجاد (عليه السلام) شخصياً يقوم بهذه الخدمة، وكفى بذلك مقاماً لمقيمي المآتم.
وفي الفتاوى نرى ما يلي: أن من الثابت استحباب مؤاساة أهل البيت (عليهم السلام) مطلقاً، بحزنهم وفرحهم، لعموم ما دل على ذلك، ولاستحباب التأسي بهم، فقد جاء في الروايات ما دل بالخصوص على ذلك في محرم.
فقد ورد أن بعض الأئمة (عليهم السلام) كانت أيام محرم أيام حزنه وعزائه ومصابه، ونحن مأمورون باتخاذهم أسوة مطلقاً.
وأما بالنسبة إلى الرواية المانعة التي ذكرتموها عن الكافي، إن صحّت سنداً فإنّها تدلّ على المنع على نحو الإطلاق، فيخصّص ذلك الاطلاق بالروايات المجوّزة، كالرواية التي يرويها الشيخ الطوسي في كتابه (التهذيب 2 / 283) في آخر الكفّارات، عن الإمام الصادق (عليه السلام) أنّه قال: (ولقد شققن الفاطميات الجيوب، ولطمن الخدود على الحسين بن علي، وعلى مثله تلطم الخدود وتشق الجيوب).
وما روي عن أهل البيت (عليهم السلام) من أن كل جزع وفزع مكروه إلا على الحسين (ع).
فلبس السواد ولطم الخدود وخمش الوجوه وغيرها وأن كان مكروها، إلا أنه ترتفع كراهته إذا كان للحسين (عليه السلام).

مقالات ذات صله

الرد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *