جواز الندب والنوح على الامام الحسين عليه السلام

جواز الندب والنوح على الامام الحسين عليه السلام

السؤال (جواز الندب والنوح على الامام الحسين عليه السلام)
بعض أدلّة جواز الندب والنوح على الإمام الحسين “عليه السلام”

الجواب
توجد روايات كثيرة تشير إلى جواز ندب سيّد الشهداء “عليه السلام” والنوح عليه حزناً، على ما جرى عليه وعلى أهل بيته وأصحابه في واقعة الطف الدامية منها:
ما ورد في خبر صالح بن عقبة، عن أبيه، عن أبي جعفر الباقر “عليه السلام” في حديث: ((ثمّ ليندب الحسين “عليه السلام” ويبكيه، ويأمر من في داره ممن لا يتقيه بالبكاء عليه، ويقيم في داره المصيبة بإظهار الجَزَع عليه))، (مصباح المتهجد، ص 536.
وفي مقتل الخوارزمي ج 2 ص 130-131، قصيدة دعبل التي قالها بين يدي الإمام الرضا “عليه السلام”، ومنها:

أفاطم لو خلت الحسين مجدلاً *** وقد مات عطشاناً بشط فرات
إذاً للطمت الخد فاطم عنده *** وأجريت دمعَ العين في الوجنات
افاطم قومي يا ابنة الخير واندبي *** نجوم سماوات بارض فلاةِ

وأقرّه المعصوم “عليه السلام” على ندب سيدة النساء “عليها السلام” لو كانت حاضرة، والندب هو البكاء على الميت مع تعداد محاسنه، كما في لسان اللسان ج 2 ص 604، واقرب الموارد ج 2 ص 1284، والنص للأوّل: (ونَدَبَ الميت، أي بكى عليه، وعدّد محاسنه).
ولكن باعتبار مصاحبته لرفع الصوت بالبكاء – الذي هو النوح سُمي الندب نوحاً، وصاحبته نائحة.
والندب جائز عند مشهور فقهاء الشيعة أعزّهم الله، للأخبار، منها: ندب سيدة النساء “عليها السلام” على أبيها “صلّى الله عليه وآله”، على ما في العقد الفريد ج 3 ص 194-195: وقفت فاطمة “عليها السلام” على قبر أبيها “صلّى الله عليه وآله فقالت:

إنا فقدناك فقدَ الأرض وابلها *** وغابَ مُذ غِبتَ عنّا الوحي والكُتبُ
فليت قبلك كان الموت صَادَفَنا *** لما نُعيت وحالت دونك الكُثُبُ

عن ثابت، عن أنس، قال:
لما فرغنا من دفن رسول الله “صلّى الله عليه” أقبلت على فاطمة، فقالت: يا أنس كيف طابت انفسكم أن تحثوا على وجه رسول الله “صلّى الله عليه وآله” التراب؟ ثمّ بكت ونادت:
((يا أبتاه، أجاب رباً دعاه، يا أبتاه من ربه أدناه، يا أبتاه مَنْ ربُّه ناداه، يا ابتاه إلى جبريل أنعاه، يا أبتاه جَنّةُ الفردوس مأواه. ثمّ سكتت، فما زادت شيئاً)).
وفي أعلام الورى للطبرسي ج 1 ص 268، الطبعة المُحقّقة:
((روى ثابت، عن أنس، قال: قالت فاطمة “عليها السلام” – لما ثقل النبي “صلّى الله عليه وآله”، وجعل يتغشاه الكرب -: يا أبتاه إلى جبريل ننعاه، يا أبتاه من ربّه ما أدناه، يا أبتاه جنان الفردوس مأواه، يا أبتاه مَنْ أجاب رباً دعاه)).
وفي السيرة النبويّة لدحلان ج 3 ص 364-365، بهامش السيرة الحلبية:
((لما دُفن “صلّى الله عليه وآله”، قالت فاطمة رضي الله عنها: أطابت نفوسكم أن تحثوا على رسول الله “صلّى الله عليه وآله” التراب، وأخذت من تراب القبر الشريف، ووضعته على عينيها، وأنشأت تقول:

ماذا على من شمّ تربة أحمدٍ *** أن لا يشمّ مدى الزمان غواليا
صُبت عليّ مصائب لو أنها *** صُبّت على الأيام عدن لياليا))

وفي عيون الاثر لسيّد الناس ج 2 ص 423 نفس البيتين، وفي آخرهما:
(صرن لياليا)، والغوالي جمع غالية، وهي الطيب.
وفي نفس المصدر من سيرة دحلان: ((وقالت رضي الله عنها ترثيه:

أغبّر آفاق السّماء وكُوّرت *** شمس النهار وأظلم العصران
والأرض من بعد النبي كئيبةٌ *** أسفاً عليه كثيرة الرجفان
فليبكه شرق البلاد وغربها *** وليبكه مُضّر وكلُ يمانِ))

ومنها: ما رواه الكليني بإسناده عن يونس بن يعقوب، عن أبي عبد الله “عليه السلام” قال: ((قال لي أبي: يا جعفر، أوقف لي من مالي كذا وكذا لنوادب، تندبني عشر سنين بمنى أيام منى)) الوسائل ج 12 ص 88، حديث 1، باب 17، من أبواب ما يُكتسب به.
والأخبار التي يشير ظاهرها إلى حرمة الندب والنوح، محمولة على ما لو كان النوح مشتملاً على الكذب، أو على ذكر تعداد أفعال الميت القبيحة وصفاته المذمومة شرعاً، بذكر تهتكه في المحرمات من الزنا واللواط وقتل النفوس والسرقة والنهب ونحو ذلك، كما كان ذلك في الجاهلية على ما في الجواهر ج 22 ص 55.
ودليل الحمل، ما ورد من الأخبار المُجوّزة، منها: ما رواه الصدوق قال: ((سُئل الصادق “عليه السلام” عن أجر النائحة، فقال: لا بأس، فقد نيح على رسول الله “صلّى الله عليه وآله”)) الوسائل ج 2 ص 893، حديث 2، باب 71، من أبواب الدفن.
وخبر خديجة بنت عمر بن زين العابدين “عليه السلام” أنها قالت: ((سمعت عمي محمّد بن علي “عليه السلام” وهو يقول: إنما تحتاج المرأة في المأتم إلى النوح لتسيل دمعتها، ولا ينبغي لها أن تقول هجراً، فإذا جاءها الليل فلا تؤذي الملائكة بالنوح)) نفس المصدر حديث 1.
وخبر أبي حمزة عن أبي جعفر “عليه السلام” ((مات الوليد بن المغيرة، فقالت أم سلمة للنبي “صلّى الله عليه وآله”: إن آل المغيرة قد أقاموا مناحة فأذهب إليهم؟
فاذن لها، فلبست ثيابها وتهيأت، وكانت من حسنها كأنها جانّ، وكانت إذا قامت فأرخت شعرها جلّل جسدها، وعقدت بطرفيه خلخالها، فندبت ابن عمها بين يدي رسول الله “صلّى الله عليه وآله” فقالت:

أنعى الوليد بن الوليد *** أبا الوليد فتى العشيرة
حامي الحقيقة ماجد *** يسمو إلى طلب الوتيرة
قد كان غيثاً في السنين *** وجعفراً غدقاً وميرة

فما عاب رسول الله “صلّى الله عليه وآله” ذلك، ولا قال شيئاً))، الوسائل ج 12 ص 89، حديث 2، باب 17، من أبواب ما يكتسب به، و (جعفر) هو النهر الصغير كما في مجمع البحرين ج 3 ص 248.
وخبر أبي بصير قال: ((قال أبو عبد الله “عليه السلام”: لا بأس بأجر النائحة التي تنوح على الميت))، نفس المصدر حديث 7.
وخبر الصدوق قال: ((قال “عليه السلام” لا بأس بكسب النائحة إذا قالت صدقاً)) نفس المصدر حديث 8.
وخبر حنان بن سدير قال: ((كانت امرأة معنّا في الحيّ ولها جارية نائحة، فجائت ال أبي، فقالت: يا عم، أنت تعلم أن معيشتي من الله، ثمّ من هذه الجارية، فأحب أن تسأل أبا عبد الله عن ذلك، فإن كان حلالاً وإلاّ بعتُها، وأكلتُ من ثمنها، حتّى يأتي الله بالفرج.
فقال لها أبي: واللهِ إني لأعظم أبا عبد الله “عليه السلام” أن اسأله عن هذه المسألة.
قال: فلما قدمنا عليه أخبرته أنا بذلك، فقال أبو عبد الله “عليه السلام”: تشارط؟ فقلت: والله، ما ادري، تشارط أم لا؟ فقال: قل لها لا تشارط وتقبل ما أُعطيت)) نفس المصدر حديث 3.
وما رواه الشهيد الثاني في مُسكّن الفؤاد ((أن فاطمة “عليها السلام” ناحت على أبيها، وأنه أمر بالنوح على حمزة)) الوسائل ج 2 ص 892، حديث 4، باب 70 من أبواب الدفن.
وخبر الحسن بن زيد قال: ((ماتت إبنةٌ لابي عبد الله “عليه السلام” فناح عليها سنة، ثمّ مات له ولد آخر فناح عليه سنة، ثمّ مات إسماعيل فجزع عليه جزعاً شديداً فقطع النوح، فقيل لأبي عبد الله “عليه السلام”: أيناح في دارك؟
فقال: إن رسول الله “صلّى الله عليه وآله” قال، لما مات حمزة: لكن حمزة لا بواكي له)) نفس المصدر حديث 2.
وخبر محمّد بن مسلم عن أبي عبد الله “عليه السلام” قال: ((قال أمير المؤمنين “عليه السلام” مروا أهاليكم بالقول الحسن عند موتاكم، فإن فاطمة لما قُبض أبوها أسعدتها بناتُ هاشم، فقالت: اتركن التعداد، وعليكن بالدعاء)) نفس المصدر حديث 1.
وخبر الفقيه ((لما انصرف رسول الله “صلّى الله عليه وآله” من وقعة أحد إلى المدينة سمع من كل دار قُتل من أهلها قتيلٌ نوحاً وبكاءً، ولم يسمع من دار حمزة عمّه.
فقال “صلّى الله عليه وآله”: لكن حمزة لا بواكي عليه، فآلى أهل المدينة أن لا ينوحوا على ميّت ولا يبكون، حتّى يبدؤا بحمزة فينوحوا عليه ويبكوه، فهم إلى اليوم على ذلك)) الوسائل ج 2 ص 924، حديث 3، باب 88 من أبواب الدفن.
هذا بالإضافة إلى الروايات الواردة في الندب على سيّد الشهداء “عليه السلام”، وقد نُدب ونيح على سيّد الشهداء على ما في دعائم الإسلام عن جعفر بن محمّد “عليه السلام” أنّه قال: ((نيح على الحسين بن علي “عليه السلام” سنة كل يوم وليلة، وثلاث سنين من اليوم الذي أصيب فيه)) مستدرك الوسائل ج 2 ص 387، حديث 2، باب 59 من أبواب الدفن.
ومن الندب على سيّد الشهداء “عليه السلام”، ما في مقتل الخوارزمي ج 2 ص 37: ((وأقبل فرس الحسين وقد عدا من بين أيديهم أن لا يؤخذ، فوضع ناصيته في دم الحسين، وذهب يركض إلى خيمة النساء، وهو يصهل ويضرب برأسه الأرض عند الخيمة فلما نظرت أخوات الحسين وبناته وأهلُه إلى الفرس ليس عليه احدٌ رفعن اصواتهن بالصراخ والعويل، ووضعت أم كلثوم يدها على أم رأسها، ونادت: وا محمّداه، وا جداه، وا نبياه، وا أبا القاسماه، وا علّياه، وا جعفراه، وا حمزتاه، وا حسناه، هذا حسين بالعرا، صريعٌ بكربلا، محزوز الرأس من القفا، مسلوب العمامة والرداء، ثمّ غُشي عليها)).
وفي نفس المصدر ص 39:
((ثمّ أذن عمر بن سعد بالناس في الرحيل إلى الكوفة، وحمل بنات الحسين وأخواته، وعلي بن الحسين، وذراريهم، فلما مرّوا بجثة الحسين وجثة أصحابه صاحت النساء، ولطمن وجوههن، وصاحت زينب: يا محمّداه صلّى عليك مليك السّماء، هذا حسين بالعراء، مُرّملٌ بالدماء، مُعفّرٌ بالتراب، مُقطّع الاعضاء، يا محمّداه بناتك في العسكر سبايا، وذريتك قتلى، تُسفى عليهم الصبا، هذا أبنك محزوز الرأس من القفا، لا هو غائبٌ فيُرجى، ولا جريحٌ فيداوى، وما زالت تقول هذا القول حتّى أبكت والله كلَ صديق وعدو، وحتّى رأينا دموع الخيل تنحدر على حوافرها)).

مقالات ذات صله

الرد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *