خطب الإمام الحسين (ع)

خطب الإمام الحسين (ع)

إن التاريخ الإسلامي مملوء بالخطب النافذة التي وردت على لسان المعصومين عليهم السلام كخُطب رسول الله و أمير المؤمنين والسيدة الزهراء و الإمامين الحسن والحسين صلوات الله عليهم أجمعين، إضافة الى ذلك فإن هناك العديد من الخُطَب لعددٍ ممّن ينتسبون لأهل البيت بالنسب وبالسبب، مثل السيّدة المكرّمة عقيلة بني هاشم زينب الكبرى وأختها السيّدة المجلَّلة أمّ كلثوم، وبعض بنات الإمام الحسين عليه السّلام، والشهيد مسلم بن عقيل، وبعض حواريّي الأئمّة عليهم السّلام ممّن وجدوا ضرورة تنمية الآداب الاسلامية و الصدع بالحقّ وردّ عاتيات الضلالة والانحراف والظلم والفساد.

ونذكر هنا طائفة من خطب الامام الحسين عليه السلام في مختلف المواقف والمواضيع:

خطبته (ع) البديعة في مكارم الأخلاق:

قال (عليه السلام): (أيّها الناس: نافسوا في المكارم، وسارعوا في المغانم، ولا تحتسبوا بمعروف لم تعجلوا، واكسبوا الحمد بالنجح، ولا تكسبوا بالمَطل ذمّاً، فمهما يكن لأحد عند أحد صنيعة له رأى أنّه لا يقوم بشكرها فالله له بمكافأته، فإنّه أجزل عطاء، وأعظم أجراً، واعلموا أنّ حوائج الناس إليكم من نعم الله عليكم، فلا تملّوا النعم فتحور نقماً.واعلموا أنّ المعروف مُكسِب حمداً، ومُعقِب أجراً، فلو رأيتم المعروف رجلاً رأيتموه حسناً جميلاً يسرّ الناظرين، ولو رأيتم اللُّؤم رأيتموه سمجاً مشوّهاً، تنفر منه القلوب، وتغضّ دونه الأبصار.

أيها الناس: من جاد ساد، ومن بخل رذل، وإنّ أجود الناس من أعطى من لا يرجوه، وإنّ أعفى الناس من عفا عن قدرة، وإنّ أوصل الناس مَن وَصَل مَن قَطَعه، والأصول على مغارسها بفروعها تسمُو، فَمَن تعجّل لأخيه خيراً وجده إذا قدم عليه غداً، ومن أراد الله تبارك وتعالى بالصنيعة إلى أخيه كافأه الله بها في وقت حاجته وصرَفَ عنه من بلاء الدنيا ما هو أكثر منه، ومَن نفَّس كُربَة مؤمن فرَّج الله عنه كُرَب الدنيا والآخرة، ومن أَحسن أحسن الله إليه، والله يحب المحسنين).  (1)

ــــــــــ

1- كشف الغمة: ج 2 ص 29-30 الثامن في ذكر شيء من كلامه (ع).

ومن خطبة له (ع) يحث فيها الناس على التقوى

“أوصيكم بتقوى الله وأحذركم أيامه وأرفع لكم إعلامه، فكان المخوف قد أفد بمهول وروده، ونكير حلوله، وبشع مذاقه، فاعتلق مهجكم وحال بين العمل وبينكم، فبادروا بصحة الأجسام في مدة الأعمار، كأنكم ببغتات طوارقه فتنقلكم من ظهر الأرض إلى بطنها، ومن علوّها إلى سفلها، ومن أنسها إلى وحشتها، ومن روحها وضوئها إلى ظلمتها، ومن سعتها إلى ضيقها، حيث لا يزار حميم، ولا يعاد سقيم، ولا يجاب صريخ، أعاننا الله وإياكم على أهوال ذلك اليوم، ونجانا وإياكم من عقابه، وأوجب لنا ولكم الجزيل من ثوابه.عباد الله، فلو كان ذلك قصر مَرْماكم ومدى مظعنكم، كان حسب العامل شغلاً يستفرغ عليه أحزانه، ويذهله عن دنياه، ويكثر نصبه لطلب الخلاص منه، فكيف وهو بعد ذلك مرتهن باكتسابه، مستوقف على حسابه، لا وزير له يمنعه، ولا ظهير عنه يدفعه، ويومئذ (لا ينفع نفساً إيمانها لم تكن آمنت من قبل، أو كسبت في إيمانها خيراً، قل انتظروا إنا منتظرون)

أوصيكم بتقوى الله فإن الله، قد ضمن لمن اتقاه أن يحوّله عما يكره إلى ما يحب، (ويرزقه من حيث لا يحتسب) فإياك أن تكون ممن يخاف على العباد من ذنوبهم، ويأمن العقوبة من ذنبه، فإن الله تبارك وتعالى لا يخدع عن جنته، ولا ينال ما عنده إلا بطاعته إن شاء الله”

بحار الأنوار: ج 75 ص 120-121 ب 20 ح 3.

وأما خطبته (عليه السلام) أمام مروان بن الحكم

فقد نقل أنَّ معاوية كتب إلى مروان بن الحكم، وهو عامله على المدينة، أن يخطب ليزيد أم كلثوم بنت عبد الله بن جعفر، فأتى عبد الله بن جعفر فأخبره بذلك، فقال عبد الله: إنّ أمرها ليس إليّ إنّما هو إلى سيّدنا الحسين (عليه السلام) وهو خالها، فأخبر الحسين بذلك، فقال: (أستخير الله تعالى، اللّهمّ وفّق لهذه الجارية رضاك من آل محمّد).

فلمّا اجتمع الناس في مسجد رسول الله (صلى الله عليه وآله)، أقبل مروان حتّى جلس إلى الحسين (عليه السلام)، وقال: إنّ أمير المؤمنين أمرني بذلك، وأن أجعل مهرها حكم أبيها بالغاً ما بلغ، مع صلح ما بين هذين الحيين، مع قضاء دينه، وأعلم أنّ من يغبطكم بيزيد أكثر ممّن يغبطه بكم، والعجب كيف يستمهر يزيد؟ وهو كفو من؟ كفو له، وبوجهه يستسقى الغمام، فردّ خيراً يا أبا عبد الله.فقال الإمام الحسين (عليه السلام): (الحمد لله الذي اختارنا لنفسه، وارتضانا لدينه، واصطفانا على خلقه… يا مروان قد قلت فسمعنا.

أمّا قولك: مهرها حكم أبيها بالغاً ما بلغ، فلعمري لو أردنا ذلك ما عدونا سنّة رسول الله (صلى الله عليه وآله) في بناته ونسائه وأهل بيته، وهو اثنتا عشرة اوقية، تكون أربعمائة وثمانين درهماً.

وأمّا قولك: مع قضاء دين أبيها، فمتى كنّ نساؤنا يقضين عنّا ديوننا.

وأمّا صلح ما بين هذين الحيّين، فإنّا قوم عاديناكم في الله، ولم نكن نصالحكم للدنيا، فلعمري فلقد أعيا النسب فكيف السبب.

وأمّا قولك: العجب ليزيد كيف يستمهر؟ فقد استمهر من هو خير من يزيد، ومن أب يزيد، ومن جدّ يزيد.

وأمّا قولك: إنّ يزيد كفو من؟ كفو له، فمن كان كفؤه قبل اليوم، فهو كفؤه اليوم، ما زادته إمارته في الكفاءة شيئاً.

وأمّا قولك: بوجهه يستسقي الغمام، فإنّما كان ذلك بوجه رسول الله (صلى الله عليه وآله).

وأمّا قولك: من يغبطنا به أكثر ممّن يغبطه بنا، فإنّما يغبطنا به أهل الجهل، ويغبطه بنا أهل العقل).

ثمّ قال بعد كلام: (فاشهدوا جميعاً، أنّي قد زوّجت أمّ كلثوم بنت عبد الله ابن جعفر من ابن عمّها القاسم بن محمّد بن جعفر على أربعمائة وثمانين درهماً، وقد نحلتها ضيعتي بالمدينة ـ أو قال: أرضي بالعقيق ـ وإنّ غلّتها بالسنة ثمانية آلاف دينار، ففيها لهما غنى إن شاء الله).

وندع الخطب العامة، لنتجه الى خطب معركة الطف التي خاضها (عليه السلام) وما سبقها من الخطب التي تبين مقام أهل البيت عليهم السلام ومظلوميتهم سواء أكانت للامام (عليه السلام) أم لأهل بيته ولأصحابه،…

خطبة الإمام الحسين (عليه السلام) في مجلس معاوية

طلب معاوية بن أبي سفيان من الإمام الحسين (عليه السلام) أن يخطب، فصعد (عليه السلام) المنبر، فحمد الله وأثنى عليه، وصلّى على النبي (صلى الله عليه وآله)، فسمع (عليه السلام) رجلاً، يقول: من هذا الذي يخطب؟

فقال (عليه السلام): (نحن حزب الله الغالبون، وعترة رسول الله الأقربون، وأهل بيته الطيبون، وأحد الثقلين اللذينِ جعلنا رسول الله ثاني كتاب الله تعالى الذي فيه تفصيل كلّ شيء، لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، والمعوّل علينا في تفسيره، لا يبطينا تأويله، بل نتّبع حقائقه.فأطيعونا فإنّ طاعتنا مفروضة، أن كانت بطاعة الله مقرونة، قال الله تعالى: (أَطِيعُواْ اللّهَ وَأَطِيعُواْ الرَّسُولَ وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنكُمْ فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللّهِ وَالرَّسُولِ).

وقال تعالى: (وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُوْلِي الأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنبِطُونَهُ مِنْهُمْ وَلَوْلاَ فَضْلُ اللّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لاَتَّبَعْتُمُ الشَّيْطَانَ إِلاَّ قَلِيلاً).

وأُحذِّركم الإصغاء إلى هتوف الشيطان بكم، فإنّه لكم عدوٌّ مبين، فتكونوا كأوليائه الذين قال لهم: (لاَ غَالِبَ لَكُمُ الْيَوْمَ مِنَ النَّاسِ وَإِنِّي جَارٌ لَّكُمْ فَلَمَّا تَرَاءتِ الْفِئَتَانِ نَكَصَ عَلَى عَقِبَيْهِ وَقَالَ إِنِّي بَرِيءٌ مِّنكُمْ).

فتلقون للسيوف ضرباً، وللرماح ورداً، وللعمد حطماً، وللسهام غرضاً، ثمّ لا يقبل من نفس إيمانها خيراً).

فقال معاوية: حسبك يا أبا عبد الله، قد بلَّغت.

خطبة الإمام الحسين (عليه السلام) أمام معاوية في المدينة:

قدم معاوية بن أبي سفيان إلى المدينة حاجّاً، وفيها مهّد لاستخلاف ولده يزيد، ولكنّ الإمام الحسين (عليه السلام) رفض وقام، فحمد الله وصلّى على الرسول، ثمّ قال:

(أمّا بعد، يا معاوية، فلن يؤدّي القائل، وإن أطنبَ في صفة الرسول (صلى الله عليه وآله) من جميع جزءاً، وقد فهمت ما لبست به الخلف بعد رسول الله، من إيجاز الصفة والتنكب عن استبلاغ النعت، وهيهات هيهات يا معاوية، فضح الصبحُ فحمةَ الدُّجى، وبهرت الشمسُ أنوار السُرج، ولقد فضّلتَ حتّى أفرطتَ، واستأثرت حتّى أجحفتَ، ومنعتَ حتّى بخلتَ، وجُرتَ حتّى جاوزتَ، ما بذلتَ لذي حقّ من أتمّ حقّه بنصيب، حتّى أخذ الشيطان حظّه الأوفر، ونصيبه الأكمل.

وفهمتُ ما ذكرته عن يزيد، مِن اكتماله وسياسته لأمّة محمّد، تريد أن توهم الناس في يزيد، كأنّك تصِف محجوباً، أو تُنعت غائباً، أو تُخبر عمّا كان ممّا احتويتَهُ بعلم خاصٍّ، وقد دلّ يزيد من نفسه على موقِع أبيه، فخذ ليزيد فيما أخذ به من استقرائه الكِلاب المهارشة عند التهارش، والحمام السُّبَّق لأترابهنّ، والقينات ذوات المعازف، وضروب الملاهي، تجده ناصراً، ودع عنك ما تحاول، فما أغناك أن تلقى الله بِوزْر هذا الخلق بأكثر ممّا أنت لاقيه، باطلاً في جَوْر، وحنقاً في ظلم، حتّى ملأت الأسقية، وما بينك وبين الموت إلاّ غمضة، فتقدمُ على عمل محفوظ في يوم مشهود، ولاتَ حين مناص. ورأيتك عرضتَ بنا بعد هذا الأمر ومنعتنا عن آبائنا تراثاً، ولقد ـ لعمر الله ـ أورثنا الرسول عليه الصلاة والسلام ولادة، وجئت لنا بها ما حججتهم به القائم عند موت الرسول، فأذعن للحجّة بذلك، وردّه الإيمان إلى النصف، فركبتم الأعاليل، وفعلتم الأفاعيل، وقلتم: كان وما يكون، حتّى أتاك الأمر يا معاوية من طريق كان قصدُها لغيرك، فهناك فاعتبروا يا أُولي الأبصار.وذكرتَ قيادةَ الرجل القوم بعهد رسول الله (صلى الله عليه وآله) وتأميرَه له، وقد كان ذلك، ولعمرو بن العاص يومئذ فضيلةٌ بصحبة الرسول وبيعته له، وما صار لعمرو يومئذ حتّى أنف القوم إمْرته، وكرهوا تقديمَه، وعدّوا عليه أفعاله، فقال (صلى الله عليه وآله): لا جرم معشر المهاجرين، لا يعمل عليكم بعد اليوم غيري، فكيف يحتجّ بالمنسوخ من فعل الرسول في أوكد الأحوال وأولاها، بالمجتمع عليه من الصواب؟

أو كيف صاحبتَ بصاحِب تابع، وحولك مَن لا يؤمَنُ في صُحبته؟ ولا يُعتمدُ في دينه وقرابته؟ وتتخطّاهم إلى مُسرف مفتون؟ تريد أن تُلبس الناس شبهةً يسعد بها الباقي في دنياه، وتشقى بها في آخرتك، إنّ هذا لهو الخسران المبين، واستغفر الله لي ولكم).

خطبة الإمام الحسين (عليه السلام) ليلة عاشوراء:

روي عن الإمام زين العابدين (عليه السلام) أنّه قال: جمع الحسين (عليه السلام) أصحابه، بعد ما رجع عمر بن سعد، وذلك قرب المساء، فدنوت منه لأسمع، وأنا مريض، فسمعت أبي وهو يقول لأصحابه:

(أثني على الله تبارك أحسن الثناء… أما بعد: فإنّي لا أعلم أصحاباً أولى ولا خيراً من أصحابي، ولا أهل بيت أبرّ ولا أوصل من أهل بيتي، فجزاكم الله عنّي جميعاً خيراً، ألا وإنّي أظن يومنا من هؤلاء الأعداء غداً، ألا وإنّي قد رأيت لكم، فانطلقوا جميعاً في حلّ، ليس عليكم منّي ذمام، هذا الليل قد غشيكم فاتّخذوه جملاً، وليأخذ كلّ رجل بيد رجل من أهل بيتي، ثمّ تفرّقوا في سوادكم ومدائنكم، حتّى يفرّج الله، فإنّ القوم إنّما يطلبونني، ولو قد أصابوني لهوا عن طلب غيري فأبوا ذلك كلّهم.

خطبة الإمام الحسين (عليه السلام) الأولى في يوم عاشوراء:

بعد أن صفَّ ابن سعد أصحابه للحرب، دعا الإمام الحسين (عليه السلام) براحلته فركبها، ونادى بصوت عال يسمعه جلهم: أيها الناس اسمعوا قولي، ولا تعجلوا حتى أعظكم بما هو حق لكم عليَّ، وحتى أعتذر إليكم من مقدمي هذا وأعذر فيكم، فإن قبلتم عذري، وصدقتم قولي، وأعطيتموني النصف من أنفسكم، كنتم بذلك أسعد، ولم يكن لكم عليَّ سبيل، وإن لم تقبلوا مني العذر، ولم تعطوني النصف من أنفسكم (فأجمعوا أمركم وشركاءكم ثم لا يكن أمركم عليكم غمة ثم اقضوا إليَّ ولا تُنظرونِ إنَّ ولييّ الله الذي نزّل الكتاب وهو يتولّى الصالحين. (1)

فلما سمعت النساء هذا منه صحن وبكين وارتفعت أصواتهن، فأرسل إليهن أخاه العباس، وابنه علياً الأكبر وقال لهما: سكتاهن، فلعمري ليكثر بكاؤهن.ولما سكتن حمد الله وأثنى عليه، وصلّى على محمد وعلى الملائكة والأنبياء، وقال في ذلك ما لا يحصى ذكره، ولم يسمع متكلم قبله ولا بعده أبلغ منه في منطقه، ثم قال: الحمد لله الذي خلق الدنيا فجعلها دار فناء وزوال، متصرفة بأهلها حالاً بعد حال، فالمغرور من غرته، والشقي من فتنته، فلا تغرنكم هذه الدنيا فإنها تقطع رجاء من ركن إليها وتخيب طمع من طمع فيها، وأراكم قد اجتمعتم على أمر قد أسخطتم الله فيه عليكم، وأعرض بوجهه الكريم عنكم، وأحلّ بكم نقمته، وجنبكم رحمته، فنعم الرب ربنا وبئس العبيد أنتم، أقررتم بالطاعة، وآمنتم بالرسول محمد (صلى الله عليه وآله وسلم)، ثم إنكم زحفتم إلى ذريته وعترته تريدون قتلهم لقد استحوذ عليكم الشيطان فأنساكم ذكر الله العظيم، فتباً لكم ولما تريدون، إنا لله وإنا إليه راجعون، هؤلاء قوم كفروا بعد إيمانهم فبعداً للقوم الظالمين.

أيها الناس: انسبوني من أنا، ثم ارجعوا إلى أنفسكم وعاتبوها، وانظروا هل يحل لكم قتلي، وانتهاك حرمتي، ألست ابن بنت نبيكم وابن وصيه وابن عمه، وأول المؤمنين بالله، والمصدق لرسوله بما جاء من عند ربه؟ أو ليس حمزة سيد الشهداء عم أبي؟ أو ليس جعفر الطيار عمي؟ أو لم يبلغكم قول رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) لي ولأخي: (هذان سيدا شباب أهل الجنة)، فإن صدقتموني بما أقول وهو الحقّ فواللهِ ماتعمدت الكذب منذ علمت أن الله يمقت عليه أهله، ويضرّ به من اختلقه وإن كذبتموني فإن فيكم من إن سألتموه عن ذلك أخبركم، سلوا جابر بن عبد الله الأنصاري وأبا سعيد الخدري وسهل بن سعد الساعدي، وزيد بن أرقم بن مالك، يخبروكم أنهم سمعوا هذه المقالة من رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) لي ولأخي، أما في هذا حاجز لكم عن سفك دمي؟

فقال الشمر: هو يعبد الله على حرف إن كان يدري ما تقول:

فقال له حبيب بن مظاهر: والله إني أراك تعبد الله على سبعين حرفاً، وأنا أشهد أنك صادق ما تدري ما يقول: قد طبع الله على قلبك.

ثم قال الحسين (عليه السلام): فإن كنتم في شك من هذا القول، أفتشكون فيّ أني ابن بنت نبيكم؟ فوالله ما بين المشرق والمغرب ابن بنت نبي غيري فيكم ولا في غيركم، ويحكم أتطلبوني بقتيل منكم قتلته؟ أو مال لكم استهلكته؟ أو بقصاص جراحة؟

فأخذوا لا يكلمونه.

فنادى (عليه السلام): يا شبث بن ربعي، ويا حجار بن أبجر، ويا قيس بن الأشعث، ويا زيد بن الحارث، ألم تكتبوا إليَّ أن أقدم، قد أينعت الثمار، واخضرّ الجناب، وإنما تقدم على جند لك مجندة؟

فقالوا: لم نفعل.

فقال (عليه السلام): سبحان الله، بلى والله لقد فعلتم، ثم قال: أيها الناس إذا كرهتموني فدعوني انصرف عنكم إلى مأمن من الأرض.

فقال له قيس بن الأشعث: أو لا تنزل على حكم بني عمك، فإنهم لن يروك إلا ما تحب، ولن يصل إليك منهم مكروه؟

فقال (عليه السلام): أنت أخو أخيك، أتريد أن يطلبك بنو هاشم أكثر من دم مسلم بن عقيل، لا والله لا أعطيهم بيدي إعطاء الذليل، ولا

أفرّ فرار العبيد، عباد الله إني عذت بربي وبربكم أن ترجمون أعوذ بربي وربِّكم من كل متكبر لا يؤمن بيوم الحساب.

ثم إنه عليه السلام أناخ راحلته فعقلها عقبة بن سمعان (2)(3).

خطبة الإمام الحسين (عليه السلام) الثانية يوم عاشوراء

بعد أن خطب الإمام الحسين (عليه السلام) خطبته الأولى، بجيش عمر ابن سعد يوم العاشر من المحرّم، خطب عليهم ثانية لإلقاء الحجّة، بعدما أخذ مصحفاً ونشره على رأسه، فقال: (يا قوم إنّ بيني وبينكم كتاب الله وسنّة جدّي رسول الله (صلى الله عليه وآله))،

ثمّ استشهدهم عن نفسه المقدّسة، وما عليه من سيف النبي ودرعه وعمامته، فأجابوه بالتصديق.

فسألهم عمّا أقدمهم على قتله؟ قالوا: طاعةً للأمير عبيد الله بن زياد.

فقال (عليه السلام): (تبّاً لكم أيّتها الجماعة وترحاً، أحين استصرختمونا والهِين، فأصرخناكم موجفين، سَللتم علينا سيفاً لنا في أيمانكم، وحششتم علينا ناراً اقتدحناها على عدوّنا وعدوّكم، فأصبحتم إلْباً لأعدائكم على أوليائكم، بغير عدل أفشوه فيكم، ولا أمل أصبح لكم فيهم، فهلاّ لكم الويلات تركتمونا، والسيف مشيم، والجأش طامن، والرأي لما يستحصف، ولكن أسرعتم إليها كطيرة الدَّبا، وتداعيتم إليها كتهافت الفراش، ثمّ نقضتموها، فسُحقاً لكم يا عبيد الأمّة، وشذاذ الأحزاب، ونبذة الكتاب، ونفثة الشيطان، وعصبة الآثام، ومحرّفي الكتاب، ومطفئي السُّنَن وقتلة أولاد الأنبياء ومبيدي عترة الأوصياء وملحقي العهار بالنسب ومؤذي المؤمنين وصراخ ائمة المستهزئين الذين جعلوا القرآن عضين، ولبئس ما قدمت لهم أنفسهم وفي العذاب هم خالدون….

ويحكم أهؤلاء تعضدون، وعنا تتخاذلون، أجَلْ والله غدرٌ فيكم قديم، وشجت عليه أُصولكم، وتأزرت فروعكم، فكنتم أخبث ثمر شجي للناظر، وأكلة للغاصب.ألا وإنّ الدعي بن الدعي ـ يعني ابن زياد ـ قدْ ركز بين اثنتين، بين السلة والذلّة، وهيهات منّا الذلّة، يأبى الله لنا ذلك ورسوله والمؤمنون، وحُجور طابت وحجور طهرت، وأُنوف حمية، ونفوس أبية، من أن نؤثر طاعة اللئام على مصارع الكرام، ألا وإنّي زاحف بهذه الأسرة على قلّة العدد وخذلان الناصر) (4).

 

المصادر:

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1- أعيان الشيعة 4 ق 1/256.

2- يوم الحسين (عليه السلام) للمؤلف ص 21. -2

3- الكامل في التاريخ، ابن الأثير، ح 4، ص: 61، 62.

 
4- مقتل الحسين، السيد عبدالرزاق المقرّم، ص: 286، 287.

واللهوف في قتلى الطفوف، علي بن طاووس، ص: 42.

نبذة عن الكاتب

الامام الحسين عليه السلام أعطى كل مايملك في سبيل استمرار دين جده صلى الله عليه وآله فكل مانقدمه للإمام لايساوي شئ امام تلك التضحيات الكبيرة.

مقالات ذات صله

الرد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *