ميزات الأدب الحسيني

ميزات الأدب الحسيني

مما لا شكّ فيه أن الشعر ـ بما له من مميزات ـ يُعتبر من العوامل المؤثرة إلى حد كبير في إحياء وحفظ الوقائع والاحداث، وما ينبغي تخليده وتدوينه وخصوصاً القضايا التي لا غنى للمسلم عن معرفتها والوقوف على حقيقتها، إذ أن ما سجله الشعر تتلقاه الاجيال، ويبقى في قلوب الناس.
وقد كان الشعر ـ خصوصاً في تلك الايام ـ الوسيلة الوحيدة التي بها يُناط نقل الاخبار والاحداث، إذ لم تكن في السابق وسائل إعلام كما هو عليه الحال في الزمان الحاضر، ولذا دأب الشعراء على تسجيل ما هو مهم في نظرهم في الشعر ولذلك ترى الكثير من الوقائع والاحداث تلقيناها من طريق الشعر، هذا مع ما مرّ عليه من ظروف وملابسات، ولهذا اُعتبر الشعر مدرسة مهمة في حفظ التاريخ والحوادث بصورها الواقعية، وقد يؤرخها بأجلى أبعادها وأصدق معانيها.
ومن مميزات الشعر التي لا تنكر كونه عاملاً مساعداً في تفجير العواطف النفسية واستمالة القلوب والضمائر، والانشداد التام فيجعل من السامع كأنّما يعيش الواقعة تماماً وكأنه يراها أمام عينيه، وما ذلك إلاّ لاشتماله على المؤثرات النفسية التي يتميز بها عن غيره.
ولهذا كلّه تعرف سبب اهتمام أهل البيت (عليهم السلام) وإلحاحهم الشديد في تخليد شهادة الحسين (عليه السلام) وما جرى على أهل بيته ـ في الشعر خاصة ـ فقد تواتر عنهم
أنهم ركزوا تركيزاً بالغ الاهتمام في نظم الشعر في فضائلهم ومصائبهم (عليهم السلام) وخصوصاً في الحسين (عليه السلام)، ولم يقتصروا على ذلك بل تحدثوا أيضاً عن فضله وثوابه العظيم عند الله ـ تعالى ـ ترغيباً لهم في ذلك، ولا شك في أن إنشاد الشعر فيهم (عليهم السلام) هو مصداق من مصاديق إحياء أمرهم، وإليك بعض ما ورد في ذلك
1 ـ ما روي عن عبيد بن زرارة عن أبيه قال: دخل الكميت بن زيد على أبي جعفر (عليه السلام) وأنا عنده، فأنشده: « من لقلب مُتيّم مستهام »، فلما فرغ قال (عليه السلام) للكميت: لا تزال مؤيداً بروح القُدُس ما دمت تقول فينا
2 ـ ما روي عن علي بن سالم عن أبيه عن أبي عبدالله (عليه السلام) قال: ما قال فينا قائلٌ بيتاً من شعر حتى يؤيّد بروح القُدُس).
3 ـ ما روي عن عبدالله بن الفضل الهاشمي قال: قال أبو عبدالله (عليه السلام): من قال فينا بيت شعر، بنى الله تعالى له بيتاً في الجنة
4 ـ وروي أن جعفر بن عفان دخل على الامام الصادق (عليه السلام) فقال له: أنك تقول الشعر في الحسين (عليه السلام) وتجيده قال: نعم، فاستنشده فلما قرأ عليه بكى حتى جرت دموعه على خديه ولحيته وقال له: لقد شهدت ملائكة الله المقرّبون قولك في الحسين (عليه السلام) وإنهم بكوا كما بكينا ولقد أوجب الله لك الجنة ثم قال (عليه السلام): من قال في الحسين شعراً فبكى وأبكى غفر الله له ووجبت له الجنة.
5 ـ ما روي عن الحسن بن الجهم قال: سمعت الرضا (عليه السلام) يقول: ما قال فينا مؤمن شعراً يمدحنا به، إلاّ بنى الله له مدينة في الجنة أوسع من الدنيا سبع مرّات يزوره فيها كل ملك مقرّب وكل نبي مرسل.
وغير ذلك من الاخبار التي أكدوا فيها (عليهم السلام) ورغبوا شيعتهم في ذلك مع بيان فضل الانشاد وما له من الثواب والجزاء عند الله ـ تعالى ـ، وما ذلك كلّه إلاّ لاهمية الشعر وأثره الكبير في إحياء ذكرهم.
وامتثالاً لامرهم (عليهم السلام) هبّ الاُدباء والشعراء ـ قديماً وحديثاً ـ لهذا النداء فأخذوا يبثّون فضائل أهل البيت (عليهم السلام) ويُظهرون مظلوميتهم وما جرى عليهم من قتل وتشريد وتعذيب في السجون ونفي عن الاوطان، وخصوصاً واقعة الطف الدامية وما جرى فيها على ذرية رسول الله (صلى الله عليه وآله) ولم يكتفوا بذلك إذ ضمّنوا أشعارهم الاحتجاجات الصارخة المدوية والاستنكار الشديد على قاتليهم وظالميهم، ولذلك كان الشعر الحسيني ولا يزال يُدوي في ضمير التاريخ، ويلهب النفوس ويوقظ النائمين وينبه الغافلين والذين عُتمت عليهم الحقيقة ولتصحو كلُ نفس من سباتها العميق.
فالادب الشيعي الحسيني هو من قوام وأساس التعبير الصادق الذي يُظهر لنا المأساة بأجلى أبعادها وصورها وأصدق معانيها الواقعية.
قال أحد الاعلام: أنا لا أنكر ما للادب الشيعي من الروعة، وما فيه من الجمال، لانّ هذه الظاهرة في الادب الشيعي واضحة يجدها كل قارىء تذوّق
الادب، أدب الشيعة صدى لعواطف ملتهبة، أخمد الزمان لهيبها أن يظهر، وأطلق الادب دخانها أن يثور، ففاح كما يفوح النَّدُ حين يحترق، وماء الورد حين يتصعد.
وفي الادب الشيعي رقة الدمع ورهبة الدم،والحزن للقلوب الكئيبة، كالنار حين تنفي خبث الحديد وتنقي الذهب الابريز، ويستطيع الاديب الشيعي أن يبكي في ثورته وأن يثور في بُكائه وأن يُسيطر على الموقف في كلتا الحالتين، لانه يُلقي من شظايا فؤاده.
لم تستطع الشيعة أن تعمل ولكنها استطاعت أن تقول، والكبت حين يشتد يتصل بأعماق النفس ليمزج العقيدة بالعاطفة، ثم يتصعد مع الزفرات أدباً يُلهب ويتلهب ويبكي ويستبكي، وفي أنّة الحزين معاني لا تستطيع أن تعبر عنها أنةُ المعافى وإن تشابهتا في التوقيع.
هذا ما يجعل أدب الشيعة في القمة من أدب المسلمين وفي الذروة من أدب العروبة وهذا بعض ما استفادته من يوم الحسين (عليه السلام) وأيام العترة في التاريخ، وأيامهم في التاريخ دموعاً ودماً.
ولما كانت هذه بعض خصائص ومميزات الادب الشيعي، وقف المناوئون ـ لاهل البيت (عليهم السلام) وخصوصاً بنو اُمية وأتباعهم ومن نحا نحوهم لاتخاذ المواقف الحازمة، والتدابير اللازمة ضد شعراء أهل البيت (عليهم السلام) والذين جعلوا على عاتقهم إظهار مظلوميتهم انتصاراً للحق مهما كلفهم ذلك ما دام أنه يرضي الله ورسوله، إذ أن الامويين واتباعهم يُدركون تماماً مدى خطورة التفاعل الشعري على نواياهم وافعالهم.
ومع ذلك كلّه نجد بعضاً من ذلك الشعر مدحاً ورثاءً قد وصل إلينا على امتداد العصور مع ما لابسه من محن ومتاعب، ناهيك عمّا ضمّته موسوعات الشعر الحسيني في ذلك والذي يمثل ثروة أدبية لا غنى للمكتبة الاسلامية عنها.
عامر الكربلائي

نبذة عن الكاتب

الامام الحسين عليه السلام أعطى كل مايملك في سبيل استمرار دين جده صلى الله عليه وآله فكل مانقدمه للإمام لايساوي شئ امام تلك التضحيات الكبيرة.

مقالات ذات صله

الرد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *