آية الله الروحاني

آية الله الروحاني

نص ما كتبه سماحة آية الله العظمى السيد محمد صادق الروحاني (دام ظله)

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله فاطر الخلق والصلاة على أشرف الخلائق أجمعين وآله الطاهرين، واللعن على أعدائهم أجمعين إلى قيام يوم الدين.

وبعد فقد كثر التساؤل عن حكم المواكب العزائية والشعائر الحسينية والمظاهرات وما يتعلق بها ـ من ـ خروج الجماعات في الشوارع والطرقات بالمشاعل والأعلام ـ واللطم على الصدور والوجوه والرؤوس ـ وضرب السلاسل على الظهور ـ والضرب بالطبول والأبواق ـ والتطبير والضرب بالسيوف أو الخناجر على الرؤوس ـ والتشبيهات والتمثيلات التي جرت عادة الشيعة باتخاذها لإقامة العزاء.

وقبل الجواب على هذا السؤال لابد من تقديم مقدمات:

الأولى: إن قيام سيد شباب أهل الجنة ورأس أباة الضيم أبي عبد الله (عليه السلام) وتلك التضحية المقدسة صارت سبباً لإحياء الدين بعد اندراسه وافطاسه، بحيث ما كان من الإسلام شيء باقياً إلا اسمه ولا من القرآن إلا رسمه، ولذلك قالوا من قديم: أن الإسلام محمدي الحدوث وحسيني البقاء.

وعليه فإقامة العزاء له (عليه السلام) وتحليل تلك التضحية المقدسة تكون تربية عملية للمسلمين تعلمهم بأن لا يسكنوا أمام المبتدعين في الدين المعاندين للحق الذين إذ خلا لهم الجو بدلوا أحكام الله تعالى وغيروا سنة رسول الله (صلى الله عليه وآله) ـ وإن لا يقارّوا على كظة ظالم ولا سغب مظلوم، ويؤثر في التخلص عن الظلم والتعدي وعن استعباد الظلمة والطغاة وهذا أمر واضح لا يدخله الشك، والتجربة القطعية دلتنا على أنه في كل عصر تركت هذه الوظيفة لزم من ضعف التشيّع والدين ـ وفي أي عصر عملوا بها آل أمر المجتمع إلى الصلاح والعزة ولاحت لهم آيات السعادة.

الثانية: أن تلك التضحية كما صارت سبباً لإيقاظ المسلمين وقوة للدين مما دعا رؤساء الدين في تشكيل مجالس العزاء وتحليل تلك الواقعة وتربية المسلمين على ضوئها، وكل أعداء الإسلام قعدوا لهم بالمرصاد وفكروا في القضاء على الإسلام بإخماد تلكم الشعائر، لما رأوا من عظم تأثيرها في حفظ كيان الإسلام والتشيع، فأخذوا يسعون بشتى الطرق والوسائل لتضعيفها ومحوها علق في نفوس المسلمين من السير على هداها ومن أشدها فتكاً هو خلق اشكالات تافهة ومناقشات واهية على هذه المواكب والشعائر الحسينية فأوردوا اشكالات لا نصيب لها من الحقيقة ولاحظ لها من الواقع وليست هي إلا مغالطات أوجبت ضلالة ضعفاء الإيمان والعقيدة.

الثالثة: أن قبل قرنين من الزمن تقريباً أنشب الاستعمار الأوروبي مخالبه في إيران وفي كثير من بلاد الشرق الإسلامي، ولكن الاستعمار الأوروبي علم من أول وهلة أن استعمار هذه البلاد لا يتم مادام المسلمون يطبقون أحكام الإسلام وقوانينه ويتبعون إرشاداته وتعاليمه ويسيرون على هدى هذه التضحية وضوئها ـ وبهذا صرح (كلادستون) رئيس وزراء بريطانيا في ذلك الوقت فخلقوا الأحزاب السياسية وأعطوا بعضها صبغة دينية ليكون تأثيرها في النفوس أشد، واجتهدوا في ترويجها في بلاد المسلمين وكان من المناهج الدستورية والتربوية لبعض تلكم الأحزاب المبارزة مع الشعائر الحسينية التي بها تقوى شوكة الطائفة الجعفرية وترغم أنوف أعدائهم وبها توحّد الصفوف وتتشكل الأفراد وتأتلف الجماعات.

إذا تمهدت هذه المقدمات ظهر لك أن إقامة هذه المواكب والشعائر الحسينية بشرط خلوها عن المحرمات الشرعية في هذا الزمان الذي قعد أعداء الإسلام لهم بالمرصاد وهم يفكرون في إخماد هذه الشعائر يكون من الواجبات، فعلى كل مسلم السعي في إقامتها.

وأما الجواب عن الأسئلة الموجهة إلينا ففي ضمن مسائل:

الأولى: لا شبهة في جواز اللطم على الصدور والوجوه حد الاحمرار والاسوداد، بل وإن أدى إلى خروج الدم.

وكذا الضرب بالسلاسل على الأكتاف ورُجحان ذلك كله، فعن صادق أهل البيت (عليهم السلام): (على مثل الحسين فلتشق الجيوب ولتخمش الوجوه ولتلطم الخدود).

الثانية: لا إشكال في جواز خروج المواكب في الشوارع والطرقات بالمشاعل والأعلام ورجحانه وهو وسيلة من الوسائل الحسينية وباب من أبواب سفينة النجاة.

الثالثة: أن الضرب بالطبول والنفخ في الأبواق وأمثالها، إن كان مورد استعمالها هو إقامة العزاء وعند طلب الاجتماع وتنبيه الراكب على الركوب وفي الهوسات العربية ونحو ذلك فجائز وراجح ومن الوسائل لتبليغ الشعائر الحسينية.

التطبير:

الرابعة: إن الضرب بالسيوف أو القامات أو الخناجر على الرؤوس وإخراج الدم إن لم يوجب هلاك النفس ولا شلّ قوة من قواها فهو جائز وراجح وهو من الشعائر الدينية الحسينية التي أمرنا بتعظيمها.

الخامسة: لا إشكال في جواز التشبيهات التي جرت عادة الشيعة باتخاذها لإقامة العزاء والبكاء والإبكاء منذ قرون وإن تضمنت لبس الرجال ملابس النساء وبالعكس، ورجحانها جميعاً. وعلى ذلك بناء العقلاء في الأمور المهمة التي يبتني عليها المسلك والمرام ـ فإن بنائهم على ارائة التشبيهات لتكلم الأمور إذ في الرؤية أثرٌ ليس في السماع وهذا أمر وجداني يدركه كل أحد.

8/ صفر/1397

محمد صادق الروحاني

أيضاً: الإمام الروحاني

ترجمة نص ما أفتى به سماحة آية الله العظمى السيد محمد صادق الروحاني (دامت بركاته) حول الشعائر الحسينية:

بسم الله الرحمن الرحيم

ثورة الإمام أبي عبد الله الحسين (صلوات الله عليه)، وتقديمه دمه الشريف، كان العامل المؤثر لتجديد حياة الإسلام، بعد أن أشرف على الذبول، ولذلك قيل: (الإسلام حسيني البقاء).

كما أن في تضحيته وتحديه طاغية عصره (يزيد بن معاوية) مع نفر قليل من أهل بيته وأصحابه، أحسن الدروس لمستضعفي العالم في مطالبة حقوقهم، والصمود إتكاءاً على إيمانهم، أمام قوى الكفر والشر، حتى الوصول إلى تحقيق أهدافهم.

ولذلك نرى مثل غاندي محرّر الهند يقول: (تعلمت من الحسين بن علي (عليه السلام) في ثورته ضد يزيد، كيف أنقذ بلادي من براثن المستعمرين).

إقامة الشعائر الحسينية، بما فيها المنبر الحسيني، ومواكب اللطم وضرب السلاسل وغير ذلك، كلها مدرسة تثقيفية عملية وليست نظرية فحسب للمسلمين، تعلمهم وجوب التصدي للقوى المناوئة للإسلام والحكومات الجائرة على المسلمين، وتلقنهم دروس الصبر والصمود، والإباء والعزة.

وعلمتنا التجارب السالفة، أنه متى ما أهتم المسلمون بالشعائر الحسينية، اكتسبوا عزاً وتقدماً، ومتى ما ضعفوا في إقامتها، ضعفت شوكتهم، وضعف الدين والمذهب الحق مذهب التشيع بضعفهم.

ولقد رأينا بأم أعيننا عندما حاول المستعمرون عبر عميلهم رضا خان، القضاء على الإسلام، بدأوا أولاً بالقضاء على الشعائر الحسينية ومحاربة المنبر الحسيني.

لذلك من الواجب المفروض على المسلمين الاهتمام بإقامة المجالس الحسينية، وعلى الخطباء الاعتناء بمنابرهم، وبيان الأحكام الدينية، والمسائل الاعتقادية، والأهداف التي من أجلها ثار الإمام الحسين (عليه السلام)، وعلى الجميع المشاركة في تأسيس وإحياء المواكب الحسينية من مواكب اللطم وضرب السلاسل وغير ذلك.

كما أن عليهم أن لا يصغوا إلى ما يثيره الأجانب المستعمرون، وأعداء الإسلام والمسلمين، وعملاؤهم المأجورون، من شبهات وشكوك حول الشعائر الحسينية من اللطم وضرب السلاسل والتطبير.

أسأل الله أن يوفق الجميع لإقامة الشعائر الحسينية، وأرجوه أن يجعلني وجميع إخواني المسلمين في زمرة الذين يقيمون العزاء على الحسين (عليه السلام)، وأن يشركنا في أجرهم وثوابهم إن شاء الله.

والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

21/ ذي الحجة الحرام / 1399 هجرية

محمد صادق الروحاني

مقالات ذات صله

الرد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *