الموت أولى من ركوب العار و ……

الموت أولى من ركوب العار و ……

قبل الحديث عن أبعاد هذه المقولة ، وعلاقتها بحركة كل مؤمن في هذه المرحلة الصعبة والحساسة ، وقبل الحديث أيضا عن الظروف المحيطة بصاحب هذه المقولة لحظة قوله مقولته ، لابد أن نعلم وندرك حقيقة أنّ القائل لهذه المقولة ، هو ذاك الرجل الذي يعيش في داخله المسؤوليةَ في أعلى مراتبها ومعانيها .

لأنّه أولا : هو مسؤول وكذلك مُستَأمنٌ على دين المولى تعالى ، بنص من نبي الله محمد (صلى الله عليه وآله) ، حينما قال : ابناي هذان إمامان ، قاما أو قعدا ” ، و ثانيا : هو مسؤولٌ أمام المولى تعالى على جميع أفراد هذه الأمّة ، بلحاظ كونه إمامًا وخليفةً بعد أخيه الإمام الحسن بن علي (عليه السلام) .

وهذا يُفِيدنا ، أنّه (عليه السلام) ، لم يقل مقولته نتيجةً لذاك الظرف المرير الذي كان يعيشه ، أو نتيجةً لشعوره الداخلي الذي لا يمكن أن يتحمّله قلب رجل ، بل إنّه (عليه السلام) وعندما رفع صوته بهذه المقولة ، كان في مقام تقريرِ وتحديدِ التكاليف و المواقف التي تَفرضها قيم ومبادئ الإسلام الأصيل ، والتي تُوجِب على كل فردٍ من المؤمنين التَمسك بها ، مهما كانت قسوة وصعوبة الحالة التي هو فيها .

وعليه ، فكلامنا هنا سيدور حول ثلاثة نقاط أساسية :

النقطة الأولى : معنى المقولة وأبعادها .

النقطة الثانية : أبعاد الظرف الذي كان يعيشه (عليه السلام) حين قوله مقولته .

النقطة الثالثة : المواضع و الحالات التي تَتَنَزَّلُ فيها هذه المقولة .

فبداية نقول : أنّ الكتب التاريخية ( منها كتاب مقتل الحسين (عليه السلام) لأبو مخنف الأزدي ص 197 ، وكتاب مقتل الحسين (عليه السلام) لابن طاووس ص 70 ) التي رصدت واقعة كربلاء ، نقلت لنا مقولةً عظيمةً ، كان قد رفعها

الإمام الحسين بن علي (عليه السلام) في يومِ العَاشر من مُحرمِ الحَرَام ، بل في الواقع هو موقفٌ اتخذه الإمام الحسين (عليه السلام) ، في سياقٍ ، غاية في المسؤولية .

وهذه المقولة ، هي قوله (عليه السلام) :

القَتْلُ أَوْلَى مِنْ رُكُوبِ العَارِ ـــــــــــــــــــ وَالعَارُ أَوْلَى مِنْ دُخُولِ النَّارِ

فهنا نجد أنّ الإمام (عليه السلام) ، قدَّم القتل في سبيل القضايَا المُحِقَّة الذي هو عينُ سبيل المولى تعالى ، على أن يَذلَّ ويستسلم لـــ ” يزيد بن معاوية ” فيركبه العار المترتّب على الخنوع والخضوع له ، ولكنّه أيضا قدَّمَ ركوب العارِ الذي سيترتَّب على ما سيحدث لنسائه وبناته من سَبْيٍ وتنكيلٍ على دخول النّار بسبب تركه وتَخَلِّيهِ عن تأدية التكليف بجهاد الظالمين الظغاة ، الذي هو الآخر موجبٌ لغضب المولى تعالى .

فالإمام (عليه السلام) يُقرِّرُ لنا الموقفَ الذي يجب على كلّ مُؤمن اتخاذه حين تَزَاحُمِ عناصر مقولته المذكورة ” القتل ، والعار ، ودخول النّار ” ، بل إنه (عليه السلام) يَرسُمُ ويُرتّبُ لنا هذه العناصر الثلاثة التي لا تخلوا منها حركة المؤمنِ الجهادية .

فيُشير (عليه السلام) إلى أنّه عندما يتزاحم لدى العبد المؤمن ، والإنسان الحر ، الموت والعار ، بحيث يكون مضطرًا لاختيار أحدهما دون الآخر ، يَلزَمُه حينئذٍ أن يُقدِّمَ الموت قتلا في سبيل القضايا المُحِقَّة ، على أن يركبه عارُ الذُلِّ و الإستِسلاَم .

ولكن ، عندما يَتَزَاحَم ركوب العار مع دخول النّار ، الذي هو نتيجة حتمية لتَحَقُّقِ غضب المولى تعالى على عبده لتركه التكاليف الشرعية ، لا مجال للعبدِ المؤمنِ حينئذ أن يُقدِّمَ في سُلَّمِ أَولَوِيَاتِه دخول النّار على ركوب العار .

وعليه ، فما يمكن أن نَفهمَه مِن هذا ، هو أنّ الثقافة والفكر الحُسَيني الجهادي ، المبنيان على المبادئ الحقة للإسلام المحمّدي ، لا تُقِرُّ ولا تعترف بتَقَدُّمِ شئ على طاعة ورضا المولى تعالى ، مهما كان لهذا الشيء من اعتبارٍ أو شأن .

وهذا الترتيب الذي تضمّنه موقف الإمام (عليه السلام) ، و الذي نرى فيه أنّ طاعة المولى تعالى في ما يرضيه متقدّمة على كل ماله اعتبار وقيمة في هذه الحياة الدنيا ، يتعارض تماما مع ما عليه باقي المدارس بمختلف مشاربها ، وأيضًا هو مخالفٌ لما هو مرتكزٌ في ثقافة الكثير من المسلمين، والتي يُعبّر عنها مقولة ” عنتر ة بن شدّاد ” في قصيدته المعنونة بـــــــ ” حَكِّم سُيوفَكَ في رِقابِ العُذَّلِ ” حينما قال :

ماءُ الحَياةِ بِذِلَّةٍ كَجَهَنَّمٍ ــــــــــــــــــ وَجَهَنَّمُ بِالعِزِّ أَطيَبُ مَنزِل

والتي تُقَدّم القتل على الذلّة والعار ، لأنّ الحياة مع الذلّة في نظره جهنّم ، وكذلك يرى أنّ العزّةَ -المقابلة للذلّة – وإن كانت مصاحبةً لجهنّم فهي أطيب المنازل .

وعليه ، فعنترة ومَن يَتبنَّى مقولته يجعلون العزّة في مقدّمة سُلَّم اهتماماته ، ولا يتقدّمها حتى طاعة ورضا المولى تعالى ، بينما نجد الإمام الحسين (عليه السلام) يعلّم المؤمنين ، أنّ العزّةَ في الدنيا إذا استوجبت جهنّم وغضب المولى تعالى ، لا تتقدّم على ذلّةِ وعارِ الدنيا أبدا .

أمّا لو عدنا للظرف الذي مرّ به و كان يعيشه الإمام الحسين (عليه السلام) حين قال مقولته ، سينكشف لنا مصداقًا من البلاء الذي لا يمكن وصفه إلاّ بكونه عظيمًا، لأنّه مهما بلغ بنا نحن البلاء من درجاتٍ عالية ، لا يمكن أن يصل لتلك الدرجة التي عاشها الإمام الحسين (عليه السلام) في كربلاء .

فدرجة البلاء التي بلغها الإمام الحسين (عليه السلام) ، تُزيل صفة الشرعية والواقعية من كل المبرّرات التي يمكن أن توجِدها النّفس البشرية ، من أجل الاستناد عليها في الهروب من مواجهة المخاطر المترتّبة على تأدية التكليف الشرعي في الدفاع عن القضايا المحقة وعن المستضعفين في الأرض ، قربةً لله عزّ وجل وامتثالا لأوامره .

فنحن وعندما نستقراء أصناف ما تعرّض له الإمام الحسين (عليه السلام) من البلاء ، ثمّ نعمل على مقارنته بما نحتمل أنّنا سنتعرض له في مواجهتنا لأعداء الأمّة والإنسان ، وكذلك ما يمكن

أن يترتّب على مواجهتنا من نتائج سلبية علينا وعلى أهلينا ، سنجد الفارق بين ما عاشه الإمام (عليه السلام) وبين ما سنواجهه نحن شاسعٌ ، بل إنّ ما يُحتَمَل أن نواجهه نحن لا يكاد يكون ذا قيمة أمام ما مرّ به وما عاشه إمامنا وقدوتنا الحسين بن علي (عليه السلام) .

فصعوبة الظرف وحجم البلاء الذي مرّ به الإمام الحسين (عليه السلام) قبل قوله مقولته ، لم يتحقّق مِثلَه وبشدَّتِهِ لأَحَدٍ من البشرية عبر تاريخ الإنسانية في صراعها مع الظلم والطغيان .

فرجل مثله وَاجَه الغدر في أبشع صوره ، وكذلك عاش الخذلان من أبناء الأمّة رغم اقرارهم بمكانته الدينية وقرابته من الرسالة المحمدية ، ورجل مثله تجرّع غُصَص التنكيل به وبأطفاله ونسائه وأهل بيته وأصحابه ، حتى مُنِع عنهم ماء الحياةِ لأيام في الصحاري القاسية ، ورجلٌ مثله كان يشاهد بأُمّ عينه ، كيف أنّ أصحابه وأبناءه مع أبناء أخيه وقرابته ، يتساقطون مضرجين بالدماء الواحدَ تِلوَ الآخر ، ثم نجد أنّه كان يعلم ويدرك ما ستواجهه نسائه وبناته من سَبْيٍ وتنكيلٍ و تعذيبٍ مِن بعد رحيله عنهم ، فرجل يعيش كل تلك الآلام الشديدة وكل تلك الأوجاع المقيتة ، ثمّ يقف وحيدًا في مواجهة الآلاف ، وهو يرتجز بهذه المقولة .

فأمام مثل هذا الظرف ،وأمام مثل هذا الإمام ، لا يمكننا إلاّ أن نقول : أنّ ما مرّ به الإمام

الحسين (عليه السلام) ، لهوَ حجّةٌ واضحةٌ على كل من ينساق وراء المبرّرات النفسية الواهية ، للهروب من تأدية تكاليفه الشرعية .

ومن هنا نتمكن من فهم الموارد والحالات التي تَتَنزل فيها هذه المقولة ، لتَكُون موقفًا دافعًا لنا نحو الإنسجامِ مع ما يقتضيه التكليف الإلهي ، وبالتالي نكون متوافقين مع ما يريده المولى تعالى لعبده المؤمن .

فالسياق الذي جاءت فيه مقولة ” القتل أولى من ركوب العار * والعار أولى من دخول النّار ” والظرف الذي تولّدت فيه هذه المقولة ، يكشف لنا أولا : أنّ صاحب المقولة (عليه السلام) لم

يَقُل ما قاله لتصبح هذه المقولة عبارةً عن شعارٍ يُرفع في المناسبات الخاصة به ، وثانيّا : لم يتحمّل ما تحمّله لتُنَزَّل هذه المقولة في كل الموارد كيفما اتفق ، بل حجم البلاء الذي تحمّله إمامنا الحسين (عليه السلام) ، يُعْلِمنا بوضوحٍ أنّ هذه المقولة قيلت لتكون موقفًا في أشدّ حالات البلاء والإمتحانات ، وأكثر الظروف ألمًا ووجعًا .

وخلاصة كل هذا أمران :

الأول : أنّ هذه المقولة متعلّقة بالدرجة الأولى بأصعب وأشدّ الحالات و المواقف التي يمكن أن يتعرّض لها العبد المؤمن في حركته الجهادية في الدفاع عن الدين والأرض والعرض ، وبالتالي فمهما اشتد وصعب الظرف الذي نواجهه أثناء حركتنا الجهادية لابد أن يكون موقفنا مطابقًا لمفادِ هذه المقولة حين مواجهة العدو ، كما هو الحال في أيامنا هذه مع تلك الدول المستكبرة الطامعة والجماعات التكفيرية الظلامية .

الثاني : أنّ الموقف الذي يجب على المؤمن اتخاذه حين مواجهة العدو ، وعندما يتزاحم موته مع الذلّة وركوب العار ، عليه أن يقدم ويختار الموت على الذلّة وركوب العار ، ولكن عندما تتزاحم الذلّة وركوب العار مع غضب المولى تعالى ودخول النّار ، فموقف العبد المؤمن هو أن يختار الذلّة والعار على أن يُغضب الله عليه ، وبالتالي يُسْتَوجب عليه دخول النّار ، لأنّه وكما هو معلوم من نصوص أخرى ، أنّ الذلّة والعار في سبيل الله عزّ وجل ، وفي سبيل طلب رضا المولى تعالى هو في الواقع عزّة وفخر ، لا ذلّة وعار كما تعتبره النفس البشرية .

مقالات ذات صله

الرد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *