الشعائر الحسينية

الشعائر الحسينية

ان المبادئ والأديان، لابد لها من محرّك يفيض عليها الحركة والحياة ويضمن لها بقائها واستمراريتها، ويدفع بعجلاتها نحو الأمام، ليسلّمها قوية متينة إلى الأجيال القادمة.

ونعني بالمحرك، هو ذلك الموجود النابض بالحرارة مع كل مقوماته وشرائطه وأجزائه ـ الذي يحترق، ويقدم نفسه فداءاً وقرباناً، ليفيض الحركة والحياة على الموجود الأفضل منه.

وإذا رأينا ديناً حياً ومبدءاً متحركاً على وجه الأرض، فهو ليس كما نراه على ظاهره، من أنه تولد وعاش عفوياً بلا دعم، وبقى واستمر تلقائياً من دون محرك، فإنه من البساطة والسذاجة إذا قبلنا هذا التصور وصدقناه، إذ هو مخالف لقانون الطبيعة، وسنّة الحياة، التي أودعها الله تعالى في هذا الكون.

بل بقاؤه واستمراره، وحياته وتحركه، رهين دعم المحرك، وقوة تأثيره وفاعليته، ومهما كان المحرك أقوى، والدعم أكبر، كان بقاء ذلك الدين واستمراره أكثر وأطول، وحياة ذلك المبدأ وتحركه أصلب وأقوى.

ان ثورة الحسين عليه السلام كانت خير محرك للإسلام، حيث غذته بالروح والحركة، ووفرت له الحياة والبقاء، وأصبح الإمام الحسين (عليه السلام) بثورته هذه معلماً كبيراً، يعلم الأجيال دروس العز والإباء، والتضحية والفداء في سبيل الله والإسلام، وأضحت ثورته مدرسة عالمية، تربّي في أحضانها الثوار والمصلحين، وترعرع في ربوعها أصول الإنسانية وجذور الأخلاق، وتخرّج حاملي شهادة البطولة والفداء، والجهاد والتضحية في سبيل الله ودينه الحق لا يخافون في ذلك لومة لائم، ولا سخرية مستهزأ، ولا يترقبون من أحد مدحاً ولا ثناءاً، ولا صلة ولا أجراً.

ومفتاح هذه الثورة المباركة، وبوّابة مدرستها التربوية، هي الشعائر الحسينية، فإنها هي التي تهدي الأجيال إلى معرفة الثورة، وإلى تحكيم أهداف قائدها الكبير ابن رسول الله الإمام الحسين الشهيد (عليه السلام)، ومن إحياء الشعائر الحسينية، تستمد ثورة الإمام الحسين (عليه السلام) الحياة، وتبقى مدرسته العالمية، مفتوحة على مصراعيها أمام الأجيال، كما أن من حياة الإمام وتحركه، وزحفه واستمراريته، إلى يومنا هذا، وحتى يوم القيامة.

ولهذا الترابط الوثيق بين حياة الإسلام وبقائه، وحياة الإمام الحسين (عليه السلام) وبقاء ثورته المجيدة، نرى أن الله تعالى منح الإمام الحسين (عليه السلام) امتيازات خاصة، لم يمنحها أحداً غيره من أنبيائه وأوليائه، وأعار قضيته اهتماماً بالغاً لم يعر أية قضية أخرى بمثلها، ليكون محفزاً للمسلمين نحو الإمام الحسين (عليه السلام) وثورته المجيدة وإقامة الشعائر الحسينية تمهيداً لإحياء الإسلام، فقد جعل الأئمة المعصومين التسعة الباقين من ذريته، واستجابة الدعاء تحت قبّته، والشفاء في تربته، حيث أن تربة كربلاء بقعة من بقاع الجنة، وروضة من رياضها. وجعل إقامة العزاء والتأسي به جوازاً على الصراط، والبكاء والإبكاء وحتى التباكي على مصائبه ثمناً للجنة، والمشاركة في شيء من الشعائر الحسينية سبباً لنيل شفاعته (عليه السلام) وشفاعة جدّه رسول الله (صلى الله عليه وآله).
كيف لا يكون كذلك، وقد بذل (عليه السلام) كل ما يملكه من غال ورخيص، وقدم نفسه وأولاده، حتى طفله الرضيع، وأهل بيته وأسرته، وخاصته وأصحابه، في سبيل الله تعالى، ولإعلاء كلمته ونصرة دينه، والله تعالى هو أكرم من كل أحد، لا ينقص عاملاً حقه، ولا يضع أجره، و (إنما يوفّى الصابرون أجرهم بغير حساب) (1) فلا غرو أن يعوضه بهذه الكرامة، ويمنحه هذا العطاء الكبير.

ولهذا أيضاً نرى أن الأنبياء من لدن آدم أبي البشر إلى النبي الخاتم رسول الله (صلى الله عليه وآله) وفاطمة الزهراء (عليها السلام)، والأئمة المعصومين (عليهم السلام)، قد تأدّبوا بأدب الله تعالى، وفتحوا للإمام الحسين (عليه السلام)، كما فتح الله تعالى له، حساباً خاصاً، لم يفتحوه لغيره، فقد بكوه قبل ولادته، وأقاموا عليه العزاء بعد شهادته، وحثّوا المسلمين على زيارته وإقامة العزاء والبكاء عليه حتى جاء في زيارة الناحية المقدسة: (لأندبنك صباحاً ومساءاً، ولأبكين عليك بدل الدموع دماً) كل ذلك كما في إحيائها حياة الإسلام وبقاؤه وتجذّره في قلوب الناس ونفوسهم، فكانوا (عليهم السلام) يمثلون في إحيائهم الإمام الحسين (عليه السلام) وثورته بعد شهادته، دور المحرك القوي للإسلام، وكانوا بذلك هم المحركون الباقون من الأئمة المعصومين التسعة بعد الإمام الحسين (عليه السلام).

وامتداد ثورة الإمام الحسين (عليه السلام) الذي هو امتداد للإسلام، لا يتم في ظل بعض المهرجانات التأبينية والمآتم الحسينية وإلقاء الخطب والقصائد فحسب، فإن إقامتها ضرورية في طيلة أيام السنة لإنتاج عطاء الذكرى، لكنها لا تطيق إنجاز فورة الثورة، وإعادة جوّ الملحمة بكل ما فيها من هياج وضجيج، إلى الأفكار والأذهان، بل لابد من مجموع ما يقوم به الشيعة من الشعائر الحسينية في شهري محرم وصفر وتعميمه في كل العالم والربع المسكون من المجالس والمآتم، ومنابر العزاء والبكاء، ولبس الأسود، وتغطية الشوارع والطرقات والمساجد والحسينيات بالسواد واللافتات والشعارات الحسينية، ونصب أعلام العزاء السود وتسيير مواكب اللطم وضرب السلاسل، وما إلى ذلك لإيصال نداء الثورة الذي هو صوت الإسلام إلى كل بقاع الأرض، حتى تستطيع أن تموّج الحياة، وتزلزل الأرض، فتهوي بالعروش والتيجان الجائرة، وتنتزع القيادات الظالمة لتسّلمها الصالحين الذين إن تمكنوا في الأرض، أقاموا الصلاة وآتوا الزكاة وأمروا بالمعروف ونهوا عن المنكر.

وثورة الإمام الحسين (عليه السلام) ومظلوميته سلاح نافذ ونعمة كبيرة لا مثيل لها في الأمم السابقة امتازت بها الأمة الإسلامية وامتن الله بها عليهم ليرفعهم بها إن عرفوا قدرها، ولو كانت لغيرهم، لأقاموا بها الدنيا وأقعدوها، ولاستطاعوا عبرها من السيطرة على الأرض، كما يفعله المسيحيون اليوم في محاولتهم تنصير العالم بتصوير مظلومية موهومة للمسيح عيسى بن مريم للتأثير في الناس وكسب عواطفهم، لكن الأمة الإسلامية لم تقدرها حق قدرها، ولم تستطع أن تستقصي كل عوائدها، ولم تعرف كيف تستدّر جميع منافعها، مع أن مظلومية الإمام الحسين (عليه السلام) ليست كمظلومية عيسى موهومة ومصطنعة، حيث قال عنه القرآن الحكيم مكذّباً ما يدّعيه المسيحيون من مظلوميته وصلبه: (… وما قتلوه وما صلبوه، ولكن شبّه لهم… بل رفعه الله إليه، وكان الله عزيزاً حكيماً) (2).

بل مظلومية الإمام الحسين (عليه السلام) وكذلك الأئمة المعصومين (عليهم السلام) مظلومية حقيقية وواقعية، بكى لها الملائكة والأنبياء والأولياء والأوصياء، والأرض والسماء، والجن والإنس. بالإضافة إلى أنها في منتهى درجات المظلومية، وأقصى مراتبها، تتضاءل أمامها كل مظلومية، وتتصاغر لدى عظمتها وتذوب خجلاً عندها، كل مظلومية في التاريخ سواها.

ذِكرها يثير العواطف، ويهز النفوس، ويقلع القلوب، ويستهوي الأفئدة، ويستميلها نحو الإسلام، ونحو تعاليمه الإنسانية، ودساتيره الأخلاقية، فالأمة الإسلامية رغم أنها كانت تستطيع عبرها من بسط الإسلام ونشر رحمته وعدله على كرة الأرض، بقيت ولا تزال منذ قرن أو أكثر ترزح تحت وطأة الظالمين ونير المستعمرين، لكن احتفاظها بالشعائر الحسينية هو احتفاظها بمقومات النهوض ومؤهلات السيادة والسعادة، ولو فقدتها، فإنها تفقد آخر شيء من قواعدها المعنوية، وآخر ورقة يمكنها أن تفتح عليه لنفسها حساباً في الساحة العالمية، وتواصل به مقاومتها للاستعمار، وتثبت به وجودها وكيانها.

وقد عرف الاستعمار ذلك وأقض مضاجعه، فراح يجنّد كل طاقاته، ويحشد كل عملائه لضرب هذه القاعدة الصلبة، والمقوم الأساسي للمسلمين، وأخذ يصب كل دعاياته وجميع شبهاته حول الشعائر الحسينية، وما يرتبط بالإمام الحسين (عليه السلام)، وبقي يحاربها بكل حوله وطوله، وعدته وعدده، علّه يستطيع القضاء عليها. لكنه بفضل الله وجهود العلماء العاملين والمؤمنين المجاهدين، رجع بغيظه لم ينل خيراً، غير أنه أقبل أخيراً بدسيسة أخرى، وهي ضرب المظلومية واغتيالها، عبر تحويرها وتشويهها، ونسبة الشيعة إلى العنف والقسوة، فإنه إذ لم يستطع من القضاء على الإسلام عن طريق القضاء على الشعائر الحسينية، راح يشوّه مظلومية الأئمة وشيعتهم بكل وسائل بثه وتلفزته، وصحفه ومجلاته، علّه يسلبهم هذا السلاح النافذ المتفاعل مع نفوس الناس وقلوبهم. فعلى الغيارى الواعين لدسائس الاستعمار، العمل من أجل إحباط هذه المؤامرات ورد كيده في نحره.

ولصد هذا التيار الجارف، والإعصار العاصف من أمواج التشكيك والشبهات ورده في نحور المستعمرين جمعت في هذه المقالة فتاوى بعض ما تسنى الناس من جمعه لمراجع الشيعة العظام في جواز واستحباب، بل ولزوم إقامة الشعائر الحسينية والمشاركة فيها، والحث عليها وتشجيعها، وبذل الأموال في إقامتها وتشييدها.

ولا غرو فإنهم قد استنبطوا ذلك من كتاب الله، ومن سنة رسول الله (صلى الله عليه وآله) وسيرة أهل بيته من الأئمة المعصومين (عليهم السلام)، وكان يحق لهم بل يجب عليهم أن ينتهجوا نهج نبيهم وأئمتهم ويسيروا على هديهم، فإنهم الامتداد الشرعي لهم كما أن الأئمة المعصومين (عليهم السلام) الامتداد الشرعي للنبي (صلى الله عليه وآله)، وهم الحجة من الله علينا في زماننا وعصرنا هذا عصر الغيبة، وزمان افتقاد الإمام المنتظر الحجة ابن الحسن المهدي (عليه السلام) حيث قال في حقهم: (… إنهم حجتي عليكم، وأنا حجة الله…) فعجل الله تعالى فرَجَه الشريف وجعلنا من أنصاره وأعوانه، وممن يوطّد لحكومته، ويمهّد لعدله وقسطه، آمين رب العالمين.
1- سورة الزمر: الآية 10.
2- سورة النساء: الآية 157 و 158.

مقالات ذات صله

الرد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *