المقتل (كتابةً)
الشيخ عبد الزهرة الكعبي (قده) : مقتل الإمام الحسين (عليه السلام)
                تحميل المقتل
المقتل
لما اصبح الحسين يوم عاشوراء وصلّي باصحابه صلاه الصبح قام خطيبا فيهم حمد الله واثني عليه ثم قال ان الله سبحانه وتعالي قد اذن في قتلکم و قتلي في هذا اليوم فعليکم بالصبر والقتال ثم صفّهم للحرب وکانوا 77 ما بين فارس وراجل فجعل ( زهيربن القين) في الميمنه و(حبيب ابن مظاهر) في الميسره واعطي رايته ( اخاه العباس ) وثبتاه وعليه السلام واهل بيته في القلب واقبل عمر ابن سعد نحو الحسين في صلاته الفا وعلي الميمنه عمروابن الحجاج الزبيدي وعلي الميسره شمر ابن ذو الجوشن وعلي الخيل عزره بن قيس وعلي الرجاله شبث بن ربعي والرايه مع ذويد مولاه واقبلوا يجولون حول البيوت فيرون النار تضطرم في الخندق فنادي شمر باعلي صوته يا حسين تعجلت بالنار قبل يوم القيامه فقال الحسين من هذا کانه شمر ابن ذي الجوشن قيل نعم : فقال له يا بن راعيه المعزى انت اولي بها مني صيليا ورام مسلم ابن عوسجه ان يرميه بسهم فمنعه الحسين وقال اکره ان ابداهم بقتال ولما نظر الحسين الي جمعهم کانه السيل رفع يديه بالدعاء وقال : اللهم انت ثقتي في کل کرب ورجائي في کل شدة وانت لي في کل امرنزل به ثقة وعّدة کم من هم يضعف فيه الفؤاد وتقل فيه الحيله ويخذل فيه الصديق ويشمت فيه العدو انزلته بك وشکوته اليک رغبة مني اليک عمن سواک فکشفته وفرجته فأنت ولي کل نعمة ومنتهي کل رغبة ثم دعا براحلته فرکبها ونادي بصوت عال يسمعه جلهم ايها الناس اسمعوا قولي ولا تعجلوا حتي اعظکم بما هو حق لکم عليّ وحتي اعتذر اليکم من مقدمي عليکم فان قبلتم عذري وصدّقتم قولي واعطيتموني النصف من انفسکم کنتم بذلک اسعد ولم يکن لکم عليّ سبيل و ان لن تقبلوا مني العذر ولم تعطوا النصف من انفسکم فأجمعوا امرکم وشرکائکم ثم لا يکن امرکم عليکم غمّة ثم اقضوا اليّ ولا تنظرون ان وليّ الله الذي نزل الکتاب وهو يتولي الصالحين فلما سمعن النساء هذا منه صحن وبکين وارتفعت اصواتهنّ فأرسل إليهن أخاه العباس وابنه علياً الأکبر وقال لهما إسكتاهن فلعمري ليكثر بكاؤهن ولما سكتن حمد الله واثني عليه وصلّي علي محمد وعلي الملائکة و قال في ذلک ما لا يحصي ذکره ولم يسمع متکلم قبله ولا بعده ابلغ منه في منطقه ثم قال:  ( الحمد لله الذي خلق الدنيا فجعلها دارناء وزو فال متصرفة بأهلها حال بعد حال فالمغرور من غرته والشقي من فتنته فلا تغّرنکم هذه الدنيا فانها تقطع رجاء من رکن اليها وتخيّب طمع من طمع فيها وأراکم قد أجتمعتم علي أمرٍ قد أسخطتم الله فيه عليکم واعرض بوجهه الکريم عنکم واحّل بکم نقمته وجنبّکم رحمته فنعم الربّ ربّنا وبئس العبيد انتم أقررتم بالطاعة وآمنتم بالرسول محمد (صلّي الله عليه واله وسلم) ثم انکم ذهبتم الي ذريته وعترته تريدون قتلهم لقد أستحوذ عليکم الشيطان فأنساکم ذکر الله العظيم فتّباً لکم ولما تريدون إنا لله وإنا اليه راجعون هؤلاء قوم کفروا بعد إيمانهم فبعداً للقوم الظالمين إيها الناس انسبوني من أنا ثم ارجعوا الي أنفسکم وعاتبوها وانظروا هل يحلّ لکم قتلي وانتهاک حرمتي ألست ابن بنت نبيکم وابن وصيه وابن عمه واول المؤمنين بالله والمصدّق لرسوله بما جاء من عند ربه ؟ او ليس (حمزه سيد الشهداء) عم ابي؟ اوليس (جعفرالطيار) عمي ؟ او لم يبلغکم قول رسول الله لي ولأخي (هذاني سيدا شباب اهل الجنه) فان صدّقتموني بما اقول وهو الحق والله ما تعمّدت الکذب منذ علمت ان الله يمقت عليه اهله ويضرّ به من اختلقه وان کذّبتموني فان فيکم من ان سألتموه عن ذلک اخبرکم سلوا (جابر ابن عبد الله الانصاري) و (ابا سعيد الخدري) و(سهل ابن سعد الساعدي) و (زيد ابن ارقم) و (انس ابن مالك ) يخبروکم أنهم سمعوا هذه المقاله من رسول الله لي ولأخي اما في هذا حاجز لکم عن سفک دمي ؟ فقال الشمر هو يعبد الله علي حرف ان کان يدري ما تقول فقال له ( حبيب ابن مظاهر) والله اني اراک تعبد الله علي سبعين حرفاً وانا اشهد انک صادق ما تدري ما يقول قد طبع الله علي قلبک ثم قال الحسين فأن کنتم في شک من هذا القول افتشکون اني ابن بنت نبيکم فوالله مابين المشرق والمغرب ابن بنت نبيا غيري فيکم ولا في غيرکم ويحکم اتطلبوني بقتيل منکم قتلته ! او مال لکم استهلکته او بقصاص جراحه فاخذوا لايکلمونه فنادي ( يا شبث ابن ربعي ويا حجار ابن ابجر ويا قيس ابن الاشعث ويازيد ابن الحارث) الم تکتبوا أليّ ان اقدم قد اينعت الثمار واخضّر الجناب وانما تقدم علي جند لک مجنده فقالوا لم نفعل قال : سبحان الله ما والله لقد فعلتم ثم قال إيها الناس إذا کرهتموني فدعوني انصرف عنکم الي مأمن من الارض فقال له قيس ابن الاشعث اولا تنزل علي حکم بني عمّک فانهم لن يروک الا ما تحب ولن يصل اليک منهم مکروه فقال الحسين انت اخو اخيک اتريد ان يطلبک بنو هاشم اکثر من دم مسلم ابن عقيل لا والله لا اعطيها لا اعطيهم بيدي اعطاء الذليل ولا افر فرار العبيد عباد الله اني عذت بربي وربکم ان ترجمون أعوذ بربي وربکم من کل متکبر لا يؤمن بيوم الحساب ثم أناخ راحلته وامر عقبة بن سمعان فعقلها ( لم ارسو إسخاط فيهم خاطبا فاذا هم لايملکون خطاباً يدعو ألست انا أبن بنت نبيکم ومذهبکم ان صرف دهرٍ لاباً هل جئت بدين النبي ببدعة ام كنت في احكامه مرتاباً أم لم يوصّي بنا النبي اودعاً فقد أهلّ فيكم عترة وكتاباً ان لم تجيئوا بالمعاد فراجعوا أكتابكم إن كنتم أعراباً فغدوا حياري لايرون لوعظه الا الا تمة والسهام جواباً) واقبل قوم يزحفون نحوه وكان فيهم عبد الله ابن حوزة التميمي فصاح افيكم حسين ؟ وفي الثالثة قال اصحاب الحسين : هذا الحسين فما تريد قال يا حسين ابشر بالنار قال الحسين كذبت بل اقدم علي رب غفور كريم مطاع شفيع فمن أنت قال أبن حوزة فرفع الحسين يديه حتي بان بياض أبطيه وقال اللهم حزه الي النار فغضب ابن حوزة واقحم الفرس اليه وكان بينهما نهر فعلقت قدمه بالركاب وجالت به الفرس فسقط عنها وانقطعت قدمه وساقه وفخذه وبقي جانبه الاخر معلقا بالركاب واخذت الفرس تضرب به كل حجر وشجر حتي هلك قال مسروق بن وائل الحضرمي كنت في اول الخيل الذي تقدمت لحرب الحسين لعلي ان أصيب رأس الحسين فاحظي به عند ابن زياد فلما رأيت ما صنع بابن حوزة عرفت ان لأهل هذا البيت حرمة ومنزلة عند الله وتركت الناس وقلت لا اقاتلهم فاكون في النار وخرج اليهم زهير ابن القين علي فرس ذنوب شاك في السلاح فقال يا اهل الكوفه نذار لكم من عذاب الله نذار حقاً علي المسلم نصيحة اخيه المسلم ونحن حتي الآن أخوة علي دين واحد مالم يقع بيننا وبينكم السيف وأنتم للنصيحة منا أهل فاذا وقع السيف انقطعت العصمة وكنا امة و انتم امة ان الله ابتلانا واياكم بذرية نبيه محمد لينظر ما نحن وأنتم عاملون إنا ندعوكم الي نصرهم وخذلان الطاغية يزيد وعبيد الله ابن زياد فانكم لاتدركون منهما إلاسوء عمرسلطانهما كله ليسملان أعينكم ويقطعان أيديكم وأرجلكم ويمثلان بكم ويرفعانكم علي جذوع النخل ويقتلان أماثلكم وقرائكم أمثال حجر بن عدي وأصحابه وهاني ابن عروة واشباهه فسبّوه واثنوا علي عبيد الله ابن زياد ودعوا له وقالوا: لا نبرح حتي نقتل صاحبك ومن معه او نبعث به وبأصحابه الي عبيد الله أ بن زياد سلما فقال زهير : عباد الله ان ولد فاطمة أحق بالود والنصر من ابن سمية فان لن تنصروهم فأعيذكم بالله ان تقتلوهم فخلوا بين هذا الرجل وبين يزيد فلعمري انه ليرضي من طاعتكم بدون قتل الحسين فرماه الشمر بسهم وقال : اسكت اسكت الله نأمتك ابرمتنا بكثرة كلامك فقال زهير : يا بن البوال علي عقبيه ما أياك اخاطب إنما أنت بهيمة والله ما أظنك تحكم من كتاب الله آيتين فأبشر بالخزي يوم القيامة والعذاب الاليم فقال الشمر : ان الله قاتلك وصاحبك عن ساعة فقال زهير : افبالموت تخوفني ؟ فوالله للموت معه أحب أليّ من الخلد معكم ثم اقبل علي القوم رافعاً صوت وقال عباد الله لايغّرنكم عن دينكم هذا الجلف الجافي وأشباهه فوالله لا تنال شفاعة محمد قوماً هرقوا دماء ذريته وأهل بيته وقتلوا من نصرهم وذب عن حريمهم فناداه رجل من اصحابه ان أبا عبد الله يقول لك أقبل فلعمري لئن كان مؤمن آل فرعون نصح لقومه وابلغ في الدعاء فلقد نصحت هؤلاء وأبلغت لو نفع النصح والأبلاغ واستأذن الحسين برير بن خضير في ان يكلم القوم فأذن له وكان شيخا تابعياً ناكساً قارئ للقرآن ومن شيوخ القراء في جامع الكوفة وله في الهمدانيين شرف وقدر وجلالة فوقف قريب منهم ونادي يا معشر الناس ان الله بعث محمداً بشيراً ونذيراً وداعياً الي الله وسراجاً منيراً وهذا ماء الفرات تقع فيه خنازير السواد وكلابه وقد حيل بينه وبين ابن بنت رسول الله افجزاء محمدٍ هذا فقالوا يا برير قد اكثرت الكلام فاكفف عنا فوالله ليعطش الحسين كما عطش من كان قبله قال يا قوم أن ثقل محمد قد اصبح بين أظهركم وهؤلاء ذريته وعترته وبناته وحرمه فهاتوا ماعندكم وما الذي تريدون ان تصنعوه بهم فقالوا نريد ان نمكنّ منكم الامير عبيد الله ابن زياد فيري فيهم رأيه قال افلا تقبلون منهم أن يرجعوا الي المكان الذي جاؤا منه ويلكم يا أهل الكوفه انسيتم كتبكم وعهودكم التي أعطيتموها واشهدتم الله عليها وعليكم ؟ ويلكم ادعوتم اهل بيت نبيكم وزعمتم أنكم تقتلون انفسكم دونهم حتي اذا أتوكم أسلمتموهم الي ابن زياد وحلأتموهم عن ماء الفرات بئسما خلفتم نبيكم في ذريته مالكم لا سقاكم الله يوم القيامة فبئس القوم انتم فقال له نفر منهم يا هذا ما ندري ما تقول قال الحمد لله الذي زادني فيكم بصيرة اللهم اني ابرأ اليه من فعال هؤلاء القوم اللهم القي بأسهم بينهم حتي يلقوك وانت عليهم غضبان فجعل القوم يرمونه بالسهام فتقهقر الي وراء ثم ان الحسين ركب فرسه واخذ مصحفا ونشره علي رأسه ووقف بأزاء القوم وقال ياقوم ان بيني وبينكم كتاب الله وسُنّة جدّي رسول الله صلي الله عليه وآله وسلم ثم استشهدهم عن نفسه المقّدسة وما عليه من سيف النبي وجذعه وعمامته فأجابوه بالتصديق فسألهم عما اقدمهم علي قتله قالوا طاعة للامير عبيد الله ابن زياد فقال عليه السلام : تّباً لكم ايتها الجماعة وترحا أحين اسْتَصْرَخْتُمُونَا وَالِهِينَ ، فأصرخناكم موجفين سللتم علينا سيف لنا في ايمانكم وحششتم علينا نارا اقتدحناها علي عدونا وعدوكم فأصبحتم ألباً لأعدائكم علي اوليائكم بغير عدل أفشوه فيكم ولا أمل أصبح لكم فيهم فهلاّ لكم الويلات تركتمونا والسيف مشيم والجأش طامن والرأي لما يستصحف ولكن اسرعتم اليها كطيرة الدبا وتداعيتم عليها كتهافت الفراش ثم نقضتموها فسحقاً لكم يا عبيد ألامه وشذاذ الاحزاب ونبذة الكتاب ومحرفي الكلم وعصبة ألاثم ونفثة الشيطان ومطفئ السنن ويحكم أهؤلاء تعضدون وعنا تتخاذلون أجل والله غدر فيكم قديم وَشَجَتْ إليه أُصُولُكُمْ وتأزرت فروعكم فكنتم اخبث ثمر شجاً للناظر وَأُكْلَةً لِلْغَاصِبِ الا وان الدعي ابن الدعي يعني ابن زياد قد ركز بين اثنتين بين السّلة والذلة وهيهات منا الذلة يأبي الله لنا ذلك ورسوله والمؤمنون وحجور طابت وحجور طهرت وأنوف حمية ونفوس أبيه من ان نؤثر طاعة اللئام علي مصارع الكرام ألا وأني زاحف بهذه ألاسرة علي قلة العدد وخذلان الناصر ثم اشجد أبيات فروة
فأن نهزم فهزّامون قدماً
وإن نهزم فغير مهزّمينا
وما ان ّطِبُنا جِبٌن
ولكن منايانا ودولة آخرينا
فقل للشامتين بنا افيقوا
سيلقي الشامتون كما لقينا
أما الله لا تلبثون بعدها إلا كريثما يركب الفرس حتي تدور بكم دور الرحي وتقلق بكم قلق المحور عهٌد عهده أليّ أبي عن جدي رسول الله صلّي الله عليه وآله وسلم فأرجعوا أمركم وشركائكم ثم لا يكن أمركم عليكم غُمة ثم اقضوا أليّ ولا تُنظِرون أني توكلت علي الله ربي وربكم ما من دابه الاّ هو اخذ بناصيتها أن ربي علي صراط مستقيم ثم رفع يديه وقال : اللهم أحبس عنهم قطر السماء وأبعث عليهم سنين كسنيي يوُسف وسـلّط عليهم غلام ثقيفِ يسقيهم كأساً مصبّرهً فأنّهم كذّبونا وخذلونا وأنت ربّنا عليك توكّلنا وأليك المصيروأستدعاهم ابن سعد فدُعي له وكان كارهاً لا يُحب أن يأتيه فقال أي عُمر أتزعمُ انك تقتلني ويوليك الدَعي بلاد الرَي وجرجان والله لا تتهنأ بذلك عهد معهود فأصنع ما أنت صانع فأنك لا تفرح بعدي بدنياً ولا آخرة وكأني برأسك علي قصبة يتراماه الصبيان بالكوفة ويتخذونه غرضاَ بينهم فصرف بوجهه عنه مغضباً ولّما سمع الحُر بن يزيد الرياحي كلام أبي عبد الله الحسين وأستغاثته أقبل علي عمر بن سعد وقال له : أمقاتلٌ أنت هذا الرجل قال : أي والله قتالا ًأيسره ان تسقط فيه الرؤوس وتطيح ألايدي قال مالكم فيما عرضه عليكم من الخِصال فقال لو كان الامر ألّي لقبلت ولكن أميرك أبن زياد يأبي ذلك فتركه ووقف مع الناس وكان الي جنبه قرّة بن قيس فقال لقرّة : هل سقيت فرسك فقال لا قال هل تريد أن تسقيه فظّن قُرةً من ذلك أنه يريد الأعتزال ويكره أن يشاهده أحد فتركه فأخذ الحُر يدنو من الحسين بن علي قليلاً قليلاً فقال له ( المهاجر بن أوس) أتريد أن تحمل ؟ فسكت وأخذته الرعدة فأرتاب المهاجر من هذا الحال وقال له لو قيل لي من أشجع أهل الكوفة لما عدوتك فما هذا الذي أراه منك فقال الحُر أني أخيّر نفسي بين الجنّة والنّار والله لا أختارُ علي الجنة شيئاً ولو أُحرقت ثم ضَربَ جواده نحو الحسين بن علي مُنكساً برأسهِ حياءً من آل الرسول بما أتي أليهم وجعجع بهم في هذا المكان علي غير ماءٍ ولا كلا رافعاً صوته : اللهم أليك أُنيب فتُب علّي فقد أرعبت قلوب أوليائك وأولاد نبيك يا أبا عبد الله أنّي تائبٌ فهل تري لي من توبة ألهنا ونحن نتوب أليك في هذا المقام الكريم فقال الحسين : نعم يتوب الله عليك فسّره قول أبي عبد الله وتيّقن الحياه ألابدية والنعيم الدائم ووضح له قول الهاتف لما خرج من الكوفة فحدّث الحسين بحديثهِ قال فيه لما خرجت من الكوفة نوديتُ أبشر يا حُر بالجنة فقلت ويلٌ للحُر يبّشر بالجنة وهو يسير الي حرب بن رسول الله صلّي الله عليه وآله وسلّم فقال له الحسين : لقد أصبت خيراً وأجراً ثم أستأذن الحسين في أن يكلّم القوم فأذن له فنادي بأعلي صوته يا أهل الكوفه لأمكم الأمل والعبر أدعوتم هذا العبد الصالح وجعلتم أنكم قاتلوا انفسكم دونه حتي أذا جائكم أخذتم بكرمه وأحطتم به من كل جانبِ فمنعتموه التّوجه الي بلاد الله العريضة حتي يأمن وأهل بيته وأصبح كالأسير في أيديكم لا يملك لنفسه نفعاً ولا ضراً وحلأتموه وصبيته ونسائه وصحبه عن ماء الفرات الجاري الذي يشربه اليهود والنصاري والمجوس وتتمرغ فيه خنازير السواد وكلابه وهاهم قد صرعهم العطش بئسما خلقتم محمداً في ذريته لا سقاكم الله يوم الظمأ فحملت عليه رّجالة ترميه بالنبل فتقهقر حتي وقف أمام الحسين أذ أن الحسين بن علي منع أصحابه وأهل بيته من أن يبدؤا القوم بقتال قط فلذلك تري ألاصحاب في كل مقام وعظم وأرشاد وتوجيه يرشقون بالسهام أو يحمل عليهم أحد تراهم يتراجعون الي ورائهم أمتثالاً لأمر إمامهم وسيدهم أبي عبد الله الحسين إذ أنه مايريد أن يبدأ كل أحد بقتالٍ أبدا وصاح الشمر بأعلي صوته أين بنو أختنا أين العباس وأخوته فأعرضوا عنه فقال الحسين أجيبوه ولو كان فاسقاً قالوا ما شأنك وما تريد قال يا بني أختي أنتم آمنون فلا تقتلوا أنفسكم مع الحسين وإلزموا طاعة أميري أمير الفاسق يزيد فقال العّباس له : لعنك الله ولعن أمانك أتؤمننا وابن رسول الله لا أمان له وتأمرنا أن ندخل في طاعة اللعناء وأولاد اللعناء وتقدّم عمر بن سعد نحو عسكر الحسين ورمي بسهمٍ وقال أشهدوا لي عند ألامير بن زياد أني أوّل من رمي ثم رمي الناس فلم يبقي من أصحاب الحسين أحد إلا أصابه من سهامهم فقال عليه السلام لأصحابه قوموا رحمكم الله ألي الموت الذي لابد منه فأن هذه السهام رُسل القوم أليكم فحمل أصحابه حملة واحدة وأقتتلوا ساعةً فما جلت الغبره إلا عن خمسين صريعاً من أصحاب أبي عبد الله وخرج يسار مولي زياد وسالم مولي عبيد الله بن زياد فطلبا البراز فوثب حبيب وبُرير فلم يأذن لهما الحسين فقام عبد الله بن عُميرالكلبي من بني عليم او (عُليم) وكنيته ابو وهب وكان طويلاً شديد الساعدين بعيد ما بين المنكبين شريفاً في قومه شجاعاً مجرباً وقال : أحسبه للأقران قتّالاً فقالا له من أنت فأنتسب لهما فقالا لا نعرفك ليخرج الينا زهير أو حبيب أو بُرير وكان يسار قريباً منه فقال له يأبن الزانية أو بك رغبه عن مبارزتي ثم جدّ عليه بسيفه يضربه وبينا هو مشتغل به إذ شّد عليه سالم فصاح أصحابه قد رهقك العبد فلم يعبأ به فضربه سالم بالسيف فاتقاها عبد الله بيده اليسري فأطار أصابعها ومال عليه عبد الله فقتله وأقبل الي الحسين يرتجز وقد قتلهما وأخذت ام وهب زوجته عموداً وأقبلت نحوه تقول فداك أبي وأمي قاتل دون الطيبين ذرية محمدٍ فأراد أن يردها ألي الخيمة فلم تطاوعه وأخذت تجاذبهه ثوبه وتقول لن ادعك دون أن أموت معك فقال لها آلان كنتي تنهيني عن القتال وآلان جئتي تقاتلين معي قالت لا تلمني أن واعية الحسين كسرت قلبي فقال ما الذي سمعتي منه قالت سمعت بباب الخيمة ينادي (واا قلّت ناصرا) فنادي الحسين سيدي ابا عبد الله ردّها الي الخيمة فنادها الحسين جزيتم عن اهل بيت نبيكم خيرا أرجعي الي الخيمة فأنه ليس علي النساء قتال فرجعت ولما نظر من بقي من أصحاب الحسين الي كثرة من قُتل منهم أخذ الرجلان والثلاثة والأربعة يستأذنون الحسين في الذبّ عنه والدفع عن حرمه وكلٌ يحمي الآخر من كيد عدوه فخرج الجابريان وقاتلا في مكان واحد حتي قتلا وخرج الغفاريان فقالا للحسين : السلام عليك أبا عبد الله إنّا جئنا لنقتل بين يديك وندفع عنك فقال مرحباً بكما واستدناهما منه فدنوا وهما يبكيان قال ما يبكيكما يأبني أخي فوالله أني لأرجو أن تكونا بعد ساعةٍ قرير العين قالا جعلنا الله فداك ما علي أنفسنا نبكي ولكن نبكي عليك نراك قد أحيط بك ولا نقدر أن ننفعك فجزّاهما الحسين خيرا فقاتلا قريباً منه حتي قتلا وخرج (عمرو بن خالد الصيداوي وسعد مولاه وجابر بن الحارث ومجمع بن عبد الله العائذي) وشدّوا جميعاً علي أهل الكوفة فلما أوغلوا فيهم عطف عليهم الناس وقطعوهم عن أصحابهم فندب أليهم الحسين أخاه العبّاس فأستنقذهم بسيفه وقد جرحوا بأجمعهم وفي أثناء الطريق أقترب منهم العدو فشدّوا بأسيافهم مع ما بهم من الجراح وقاتلوا حتي قتلوا في مكان واحد ولمّا نظر الحسين الي كثرة من قتل من أصحابه قبض علي شيبته المقّدسه وقال أشتدّ غضب الله علي اليهود أذ جعلوا له ولداً وأشتدّ غضبه علي النصاري أذ جعلوه ثالث ثلاثة واشتّد غضبه على المجوس إذ عبدوا الشمس والقمر دونه واشتّد غضبه على قوم اتّفقت كلمتهم على قتل ابن بنت نبيهم أما والله لا اجيبهم الى شيء مما يريدون حتى القى الله وأنا مخضّب بدمي ثم صاح : أما من مغيث يغيثنا ! اما من ذابٍ يذبُّ عن حرم رسول الله فبكت النساء وكثر صراخهن وسمع الانصاريان سعد بن الحارث واخوه أبو الحتوف استنصار الحسين واستغاثته وكانا مع ابن سعد ولما إن سمعا بكاء عياله فمالا بسيفيهما على أعداء الحسين قاتلا حتى قُتلا وأخذ أصحاب الحسين بعد ان قل عددهم وبان النقص فيهم يبرز الرجل بعد الرجل فأكثروا القتل في اهل الكوفة فصاح عمرو بن الحجاج بأصحابه : أتدرون من تقاتلون ؟ تقاتلون فرسان المصر وأهل البصائر وقوماً مستميتين لا يبرز اليهم احد منكم إلا قتلوه على قلتهم والسبب في ذلك أنهم كانوا يقاتلون عن عقيدةٍ وإيمانا وأولئك كانوا يقاتلون في سبيل الماده والطمع فقال عمرو بن الحجاج : لو لم ترموهم إلا بالحجارة لقتلتموهم فقال عمر بن سعد : صدقت الرأي ما رأيت أرسل في الناس من يعزم عليهم ألا يبارزهم رجل منهم ولو خرجتم إليهم وحدانا لأتوا عليكم ثم حمل عمرو بن الحجاج على ميمنة الحسين فثبتوا له وجثوا على الركب وأشرعوا الرماح فلم تقدم الخيل فلما ذهبت الخيل لترجع رشقهم أصحاب الحسين بالنبل فصرعوا رجالاً وجرحوا آخرين ثم حمل عمرو بن الحجاج من نحو الفرات فاقتتلوا ساعة وفيها قاتل مسلم ابن عوسجة فشّد عليه مسلم بن عبد الله وعبد الله البجلي وثارت لشدة الجلاد غبرة شديدة وما انجلت الغبرة إلا ومسلم ابن عوسجة صريعاً وبه رمق فمشى اليه الحسين ومعه حبيب بن مظاهر
فقال له الحسين : رحمك الله يا مسلم ، ثم تلا قوله تعالي ( منهم من قضى نحبه ومنهم من ينتظر وما بدلوا تبديلا) ، ودنا منه حبيب وقال : عزّ عليّ مصرعك يا مسلم أبشر بالجنة فقال مسلم ابن عوسجة بصوت ضعيف بشّرك الله بخير يا أخي يا حبيب ثم قال حبيب : لو لم أعلم أني في الاثر لأحببت أن توصي لي بجميع ما يهمك فقال مسلم : أوصيك بهذا وأشار الى الحسين بن علي أن تموت دونه فقال : أفعل ورب الكعبة وفاضت روحه بينهما (وصلت يابن ظاهر منيتي أنا ما وصيك بعيالي وبيتي ولا تحفظ أولادي وثنيتي ان چان نيتك مثل نيتي اريدنّك تجاهد بثويتي بالحسين وعياله وصيتي) وصاحت جارية له وامسلماه يا سيداه يا ابن عوسجتاه فتنادى أصحاب ابن الحجاج قتلنا مسلماًً فقال شبث بن ربعي لمن حوله : ثكلتكم امهاتكم أيقُتل مثل مسلم وتفرحون ! لرب موقفٍ له كريمٍ في المسلمين رأيته يوم « آذر بيجان » وقد قتل ستة من المشركين قبل تتام خيول المسلمين وحمل الشمر في جماعة من اصحابه على ميسرة الحسين فثبتوا لهم حتى كشفوهم وفيها قاتل عبد الله ابن عُمير الكلبي فقتل رجالاً وشّد عليهم هاني بن ثبيت الحضرمي فقطع يده اليمنى وقطع بكر بن حي ساقه فأُخذ أسيراً وقُتل صبراً فمشت اليه زوجته ام وهب وجلست عند رأسه تمسح الدم عنه وتقول : هنيئاً لك الجنة اسأل الله الذي رزقك الجنة ان يصحبني معك فقال الشمر لغلامه : اضرب رأسها بالعمود فشدخه وماتت مكانها وهي اول امرأة قُتلت يوم عاشوراء من اصحاب الحسين بن علي وقطع رأسه ورمي به الى جهة الحسين فأخذته أمه ومسحت الدم عنه ثم أخذت عمود خيمة وبرزت الى الأعداء فردّها الحسين وقال : ارجعي رحمك الله فقد وضع عنك الجهاد فرجعت وهي تقول : اللهم لا تقطع رجائي فقال الحسين : لا يقطع الله رجاكي وحمل الشمر حتى طعن فسطاط الحسين بالرمح وقال : عليّ بالنار لأُحرقه على أهله فتصايحت النساء وخرجن من الفسطاط وناداه الحسين : يا ابن ذي الجوشن انت تدعو بالنار لتحرق بيتي على أهلي احرقك الله بالنار ! وقال له شبث بن ربعي : أمرعباً للنساء صرت ؟ ما رأيت مقالاً اسوأ من مقالك ولا موقفاً اقبح من موقفك فاستحيا وانصرف وحمل على جماعته زهير بن القين في عشرة من اصحابه حتى كشفوهم عن البيوت ولما رأى عزرة بن قيس وهو على الخيل الوهن في اصحابه والفشل كلما يحملون بعث الى عمر بن سعد يستمّده الرجال فمدّه بالحصين بن نمير في خمسمائة من الرماة واشتّد القتال واكثر اصحاب الحسين فيهم الجراح حتى عقروا خيولهم وارجلوهم ولم يقدروا ان يأتوهم إلاّ من وجه واحد لتقارب ابنيتهم فأرسل ابن سعد الرجال ليقوضوها عن ايمانهم وعن شمائلهم ليحيطوا بهم فأخذ الثلاثة والأربعة من اصحاب الحسين يتخللون البيوت فيشدون على الرجل وهو ينهب فيقتلونه ويرمونه من قريب فيعقرونه فقال ابن سعد : أحرقوها بالنار فأضرموا فيها النار فصاحت النساء ودُهشت الأطفال فقال الحسين : دعوهم يحرقونها فانهم اذا فعلوا ذلك لم يجوزوا اليكم فكان كما قال عليه السلام وكان أبو الشعثاء الكندي وهو يزيد بن زياد رامياً فجثا على ركبتيه بين يدي الحسين ورمى بمئة سهم و الحسين يقول : اللهم سدّد رميته واجعل ثوابه الجنة ثم حمل على القوم فقتل تسعة عشرة رجلا ًوقُتل والتفت ابو ثمامة الصائدي الى الشمس فرأها وقد زالت فقال للحسين : نفسي لك الفداء إني أرى هؤلاء قد اقتربوا منك ، لا والله لا تُقتل حتى اقُتل دونك و احب أن القى الله وقد صلّيت هذه الصلاة التي دنا وقتها فرفع الحسين رأسه الى السماء وقال : ذكرت الصلاة جعلك الله من المصلين الذاكرين أنظروا أيها المسلمون دعا الحسين بن علي سلام الله عليه لهذا العبد الصالح بأعظم دعاءٍ وهو أن قال ( جعلك الله من المصلين) فمرّرروا أولادكم وعوّدوا بناتكم معاشر المسلمين علي الصلاة في دور الصغر فأن دور الصغر أذا صلّي الانسان فيه لا يسعه أن يترك الصلاة في الكبر وأن الصلاة تنهي عن الفحشاء والمنكر فقال الحسين : نعم هذا اول وقتها سلوهم أن يكفّوا عنّا حتى نصلّي فقال الحصين : أنها لا تُقبل فقال حبيب بن مظاهر : زعمت أنها لا تُقبل من آل الرسول وتُقبل منك يا حمار فحمل عليه الحصين فضرب حبيب وجه فرسه بالسيف فشبت به ووقع عنه واستنقذه اصحابه فحملوه وقاتلهم حبيب قتالا شديداً فقتل على كبرسنهِ اثنين وستين رجلاً وحمل عليه بديل بن صريم فضربه بسيفه وطعنه آخر من تميم برمحه فوقع إلى الأرض فذهب ليقوم وإذا بالحصين يضربه بالسيف على رأسه فسقط لوجهه ونزل اليه التميمي واحتز رأسه فهز مقتله الحسين فقال : عند الله احتسب نفسي وحماة اصحابي واسترجع الحسين كثيراً وخرج من بعده الحر ابن يزيد الرياحي ومعه زهير بن القين يحمي ظهره فكان إذا شّد أحدهما واستلحم شّد الآخر واستنقذه ففعلا ساعةً وان فرس الحر لمضروب على اُذنيه وحاجبيه و الدماء تسيل منه فبرز إليهم وهو يرتجز ويقول:
إني أنا الحر ومأوى الضيفي
أضرب في أعناقكم بالسيفي
عن خير من حلّ بأرض الخيفي
أضربكم ولا أري من حيفي
حتي قتل منهم جماعه كثيرة علي كبر سِنّه وحمل أصحاب الحسين الحر ووضعوه أمام الفسطاط الذي يقاتلون دونه وكان به رمق فقال الحسين له وهو يمسح الدم عنه : أنت الحر كما سمّتك أمك وانت الحر في الدنيا والآخرة وعلي قولٍ أنت حر في الدنيا وسعيد في آلاخرة ورثاه رجل من أصحاب الحسين وقيل : علي بن الحسين
لـنعم الحرُّ حرُ بني رياح صبور عند مشتبك الرماح
ونعم الحرُّ إذ فادى حسيناً وجاد بنفسه عند الصباح
وقام الحسين الى الصلاة فصلّي بمن بقي من أصحابه صلاة الخوف وتقدم امامه زهير بن القين وسعيد بن عبد الله الحنفي في نصف من اصحابه ويقال إنه صلّى واصحابه فرادى بالايماء ولما أُثخن سعيد بالجرح سقط الى الارض وهو يقول : اللهم العنهم لعن عادٍ وثمود وأبلغ نبيك مني السلام وأبلغه ما لقيت من ألم الجراح فاني اردت بذلك ثوابك في نصرة ذرية نبيك صلى الله عليه وآله وسلم والتفت الى الحسين قائلا : أوفيت يا ابن رسول الله ؟ قال : نعم أنت امامي في الجنة ثم قال سعيد أبلغه أني تركت حسيناً في الأثر وقضى نحبه فوجد به ثلاثة عشر سهماً غير الضرب والطعن
ولما فرغ الحسين من الصلاة قال لأصحابه : يا كرام هذه الجنة قد فتّحت أبوابها واتصلت أنهارها وأينعت ثمارها وهذا رسول الله والشهداء الذين قتلوا في سبيل الله يتوقعون قدومكم ويتباشرون بكم فحاموا عن دين الله ودين نبيه وذبّوا عن حرم الرسول فقالوا : نفوسنا لنفسك الفداء ودماؤنا لدمك الوقاء فوالله لا يصل اليك والى حرمك سوء وفينا عرق يضرب ووثبوا الي خيولهم فعقروها ولم يبقِ مع الحسين فارس إلاّ الضّحاك بن عبد الله المشرقي يقول : لّما رأيت خيل أصحابنا تعقر أقبلتُ بفرسي وأدخلتها فسطاطاً لأصحابنا واقتتلوا أشد القتال وكان كل من أراد الخروج ودّع الحسين بقوله : السلام عليك يا ابن رسول الله فيجيبه الحسين وعليك السلام ونحن خلفك ثم يقرأ (ومنهم من قضى نحبه ومنهم من ينتظر وما بدلوا تبديلا) وخرج أبو ثمامة الصائدي فقاتل حتى اُثخن بالجراح وكان مع عمر بن سعد ابن عم له يقال له قيس بن عبد الله بينهما عداوة فشّد عليه وقتله وخرج سلمان بن مضارب البجلي وكان ابن عم زهير فقاتل
وخرج بعده زهير بن القين فوضع يده على منكب الحسين وقال مستأذناً
أقـدم هديت هادياً مهديّاً فـاليوم القى جَدَّك النبيّا
وحـسناً والمرتضى عليّاً وذا الجناحين الفتى الكميّا
وأسد الله الشهيد الحيا
فقال الحسين : وأنا القاهما على أثرك ، وفي حملاته يقول :
أنا زهير وأنا ابْن القين أذودكم بالسيف عن حسين
فقتل مئة وعشرين ، ثم عبط عليه كُثير بن عبد الله الشعذي والمهاجر بن أوس فقتلاه فوقف عليه الحسين ودعا له وجزّاه خيرا وقال : لعن الله قاتليك ولعن الذين مُسخوا قردة وخنازير وجاء عمرو بن قرظة الانصاري ووقف أمام الحسين يقيه من العدو ويتلقى السهام بصدره وجبهته فلم يصل إلى الحسين سوءٌ ولما كثر فيه الجراح التفت إلى أبي عبد الله وقال : أوفيت يا ابن رسول الله ؟ قال : نعم انت امامي في الجنة فاقرأ رسول الله مني السلام واعلمه اني في الاثر وخرَّ ميتاً فنادى أخوه علي وكان مع ابن سعد : يا حسين يا كذاب (أن ما أقول كلمته حتي تطلع علي خبث هؤلاء الافراد) غررت اخي حتى قتلته فقال عليه السلام : إني لم اغر اخاك ولكن الله هداه واضّلك فقال : قتلني الله إن لم اقتلك ثم حمل على الحسين ليطعنه فاعترضه نافع بن هلال الجملي فطعنه حتى صرعه فحمله اصحابه وعالجوه وبرأ ورمى نافع ابن هلال الجملي بنبال مسمومة كتب اسمه عليها وهو يقول ( أرمي بها معلمةً أفواقها مسمومةً تجري بها أخفاقها)
فقتل اثني عشر رجلاً سوى من جرح ولما فنيت نباله جرد سيفه يضرب فيهم فأحاطوا به يرمونه بالحجارة والنصال حتى كسروا عضديه واخذوه اسيراً فأمسكه الشمر ومعه اصحابه يسوقونه فقال له ابن سعد : ما حملك على ما صنعت بنفسك ؟ قال : إن ربّي يعلم ما اردت ، فقال له رجل وقد نظر إلى الدماء تسيل على وجهه ولحيته : أما ترى ما بك ؟ فقال :
والله لقد قتلت منكم اثني عشر رجلا ًسوى من جرحت وما ألوم نفسي على الجهد ولو بقيت لي عضد ما أسرتموني ثم قتله الشمر ولما صرع واضح التركي مولى الحرث المذحجي
استغاث بالحسين فأتاه أبو عبد الله واعتنقه فقال : من مثلي وابن رسول الله (ص) واضع خده على خدّي ! (أنظر الي الحسين بن علي رجل الدين وألانسانيه يضع خده مرةً علي خّد ولده علياً الاكبر وكذلك ايضاً مرة اخري يضع خدّه علي خدّ غلامٍ تركي إذ لا يُفرّق إمامنا سلام الله عليه بين افراد النوع إلانساني فالدين إلانساني هو الدين إلاسلامي ) ثم فاضت نفسه الطاهرة ومشي الحسين الي أسلم مولاه واعتنقه وكان به رمق فتبّسم وافتخر بذلك ومات رضوان الله عليه ونادى يزيد بن معقل : يا بُرير كيف ترى صنع الله بك ؟ فقال : صنع الله بي خيراُ وصنع بك شراً فقال يزيد : كذبت وقبل اليوم ما كنت كذابا أتذكر يوم كنت أماشيك في (بني لواذن) وأنت تقول كان عثمان مسرفاً ومعاوية ضالاً وإن إمام الهدي علي بن أبي طالب قال : بُرير : بلى اشهد ان هذا رأيي فقال يزيد : وانا اشهد انك من الضالين فدعاه برير الى المباهلة فرفعا ايديهما الى الله سبحانه يدعوانه أن يلعن الكاذب ويقتله ثم تضاربا فضربه بُرير على رأسه ضربةً قدّت المغفر والدماغ فخر كأنما هوى من شاهق وسيف بُرير ثابت في رأسه وبينا هو يريد ان يخرجه إذ حمل عليه رضا بن منقذ العبدي واعتنق بُريراً واعتركا فصرعه بُرير وجلس على صدره فاستغاث رضا بأصحابه ، فذهب كعب بن جابر بن عمرو الازدي ليحمل على برير فصاح به عفيف بن زهير بن أبي الأخنس: هذا بُرير بن خضير القاري الذي كان يقرؤنا القرآن في جامع الكوفة فلم يلتفت اليه وطعن بُريراً في ظهره فبرك برير على رضا وعضّ وجهه وقطع طرف انفه وألقاه كعب برمحه عنه وضربه بسيفه فقتله وقام العبدي ينفض التراب عن قبائه وقال : لقد انعمت عليّ يا اخا الازد نعمة لا أنساها أبداً ولما رجع كعب بن جابر الى أهله عتبت عليه امرأته النوار وقالت : اعنت على ابن فاطمة وقتلت سيد القراء لقد اتيت عظيماً من الأمر والله لا اكلمك من رأسي كلمة أبداً فقال : سـلي تـخبري عنّي وانت ذميمة غـداة حـسين والـرماح شوارع الي آخر أبياته ونادي حنظلة بن سعد الشبامي : يا قوم إني اخاف عليكم مثل يوم الأحزاب مثل دأب قوم نوح وعادٍ وثمود والذين من بعدهم وما الله يريد ظلماً للعباد يا قوم اني اخاف عليكم يوم التّناد يوم تولون مدبرين ما لكم من الله من عاصم ومن يُضلل الله فما له من هاد يا قوم لا تقتلوا حسيناً فيُسحتكم الله بعذابٍ وقد خاب من افترى فجّزاه الحسين خيراً وقال : رحمك الله انهم قد استوجبوا العذاب حين ردوا عليك ما دعوتهم اليه من الحق و نهضوا اليك ليستبيحوك واصحابك فكيف بهم الآن وقد قتلوا اخوانك الصالحين قال : صدقت يا ابن رسول الله أفلا نروح الى آلاخرة ؟ فأذن له فسّلم على الحسين وتقدم يقاتل حتى قُتل رضوان الله عليه واقبل عابس بن شبيب الشاكري على شوذب مولى شاكر وكان شوذب من الرجال المخلصين وداره مألفاً للشيعة يتحدثون فيها فضل أهل البيت فقال : يا شوذب ما في نفسك ان تصنع ؟ قال : اُقاتل معك حتى اُقتل فجزّاه خيراً وقال له : تقدم بين يدي أبي عبد الله (ع) حتى يحتسبك كما احتسب غيرك وحتى أحتسبك فان هذا يوم نطلب فيه الاجر بكل ما نقدر عليه فسلّم شوذب على الحسين وقاتل حتى قُتل ووقف عابس امام أبي عبد الله (ع) وقال : ما امسى على ظهر الارض قريب و لا بعيد أعز عليّ منك ولو قدرت ان ادفع الضيم عنك بشيء أعز عليّ من نفسي لفعلت السلام عليك ، اشهد اني على هداك و هدى أبيك و مشى نحو القوم مصلتاً سيفه و به ضربة على جبينه فنادى : ألا رجل فأحجموا عنه لأنهم عرفوه اشجع الناس فصاح عمر بن سعد : أرضخوه بالحجارة فرمي بها فلما رأى ذلك القى درعه ومغفره وشد على الناس وانه ليطرد اكثر من مئتين ثم تعطّفوا عليه من كل جانب فقُتل رضوان الله عليه ووقف جون مولى أبي ذر الغفاري امام الحسين يستأذنه فقال عليه السلام : يا جون إنما تبعتنا طلباً للعافية فأنت في اذن مني فوقع على قدميه يقبلهما ويقول : أنا في الرخاء ألحس قِصاعكم وفي الشدة أخذلكم سيدي ان ريحي لنتن وحسبي للئيم ولوني لأسود فتنفس عليّ بالجنة ليطيب ريحي ويشرف حسبي ويبّيض لوني لا والله لا افارقكم حتى يختلط هذا الدم الاسود مع دمائكم أهل البيت فأذن له الحسين فقُتل خمساً وعشرين وقُتل فوقف عليه الحسين وقال : اللهم بيِّض وجهه وطيِّب ريحه واحشره مع محمدٍ (صلي الله عليه وآله وسلم) وعرِّف بينه وبين آل محمد( عليهم السلام) فكان من يمر بالمعركة يشم منه رائحة طيبة اذكى من المسك
وكان أنس بن الحارث بن نبيه الكاهلي شيخاًً كبيراً صحابياً رأى النبي وسمع حديثه وشهد معه بدراً وحنيناً ، فاستأذن الحسين وبرز شادّاً وسطه بالعمامة رافعاً حاجبيه بالعصابة ، ولما نظر اليه الحسين بهذه الهيئة بكى وقال : شكراً لله لك يا شيخ فقتل على كبر سنهِ ثمانية عشر رجلاً وقُتل وجاء عمرو بن جنادة الانصاري بعد أن قُتل أبوه وهو ابن إحدى عشرة سنة يستأذن الحسين هذا وقد أمرته أمه من قبل ذلك وقالت له : ولدي قم وأنصر ريحانة رسول الله بعد ما ألبسته لامة حربه فخرج يستأذن من الحسين بن علي فلما نظر إليه الحسين قال لأصحابه : هذا غلام قُتل أبوه في الحملة الأُولى ولعل أُمه تكره خروجه الي المعركه ردّوه الي الخيمة فأقبل الغلام يسعي نحو الحسين عجلاً خائفاً من أن يصّده أصحاب أبي عبد الله عن مراده وقصده فصاح : سيدي أبا عبد الله أن أمي هي التي ألبستني لامة حربي فأذن لي يا بن رسول الله حتي أرزق الشهادة بين يديك فجزّاه الأمام خيرا فبرز وهو يقول أميري حسينٌ ( أميري حسينٌ ونعم الأمير سرور فؤاد البشير النذير علي ٌوفاطمةٌ والداه فهل تعلمون له من نظير له طلعةٌ مثل شمس الضحي له غرّةٌ مثل بدر المنير) فقاتل قتال الابطال فأحاط أعداء به من كل جانب أردوه الي الأرض صريعا فاحتزو رأسه ورموا به نحو الخيام فسعت الي رأسه أمه فمسحت الدم عنه وأخذته وضربت به رجلاً قريباً منها فمات وعادت الى المخيم فأخذت عموداً وقيل سيفاً وانشأت تقول : (أنا عجوز في النسا ضعيفة خاوية بالية نحيفة أضربكم بضربة عنيفة دون بني فاطمة الشريفة ) فردّها الحسين إلى الخيمة بعد أن اصابت بالعمود رجلين (وما رضي الحسين سلام الله عليه بأن تخرج امرأة من سائر نساء المسلمين امام الأعداء امام الرجال الأجانب فصونوا حلائلكم معاشر المسلمين كما تصونون ديناركم ودرهمكم) وقاتل الحجاج بن مسروق الجّعفي حتى خُضّب بالدماء فرجع الى الحسين يقول : ( اليوم القي جدك النبيا ثم أباك ذا الندي عليا ذاك الذي نعرفه الوصيا) فقال الحسين : وأنا القاهما على أثرك فرجع يقاتل حتى قُتل ولما اُثخن بالجراح سويد بن عمرو بن أبي المطاع سقط لوجهه وظُنَّ انه قُتل فلما قُتِلَ الحسين وسمعهم يقولون : قُتل الحسين أخرج سكينةً كانت معه فقاتل بها وتعطّبوا عليه فقتلوه وكان آخر من قتل من الأصحاب بعد الحسين عليه السلام ولما لم يبق مع الحسين إلا أهل بيته عزموا على ملاقاة الحتوف ببأس شديد وحفاظ مر ونفوس أبية واقبل بعضهم يودّع بعضاً واول من تقدم هو شبيه رسول الله علي ٌ الأكبر وكان شبيهاً برسول الله خلقاً وخُلقاً ومنطقاً فأحطن به النسوة وقلن أرحم غُربتنا فليس لنا طاقة علي فراقك فلم يأبي بكلامهن واستأذن أباه فبرز علي فرسٍ للحسين يسمي لاحقاً وهو يقول : (أنا علي بن الحسين بن علي نحن وبيت الله أولي بالنبي أضربكم بالسيف أحمي عن أبي ضربة غلامٍ هاشميٍ علوي تالله لا يحكم فينا ابن الدعي) ولم يتمالك الحسين دون أن رفع شيبته المقدّسه نحو السماء وأرخي عينيه بالدموع وقال : اللهم أشهد علي هؤلاء القوم فقد برز إليهم أشبه الناس برسولك محمّدٍ صلّي الله عليه وآله وسلّم وكنا إذ أشتقنا الي رؤيه نبيك نظرنا إليه اللهم امنعهم بركات الأرض وفرّقهم تفريقاً واجعلهم طرائق قدداً ولا ترضِ الولاة عنهم ابداً فأنهم دعونا لينصرونا ثم عدوا علينا يقاتلوننا وصاح ببن سعد : قطع الله رحِمك كما قطعت رحمي ولم تحفظ قرابتي من رسول الله ثم تلا قوله تعالي :
( إِنّ اللّهَ اصْطَفَى‏ آدَمَ وَنُوحاً وَآلَ إِبْرَاهِيمَ وَآلَ عِمْرَانَ عَلَى الْعَالَمِينَ ) ولم يزل يقاتل حتي قتل سبعين رجلاً وقد أشتّد به العطش فرجع الي أبيه يستريح ويذكر ما اجهده من العطش فبكى الحسين وقال : واغوثاه ما أسرع الملتقى بجدّك فيسقيك بكأسه الأوفي شربةً لا تظمأ بعدها أبداً (نادي يبويه شربة بمية چبدي يبويه اتگوي واگوم للگوم وحدي يبوية انفطر كبدي وحگ جدي العطش والشمس والميدان والحر يگله منين جيب الماي يبني وطگ روحي وحمت چبدي ولسبني يبويه استخلف الله العمر واصبر يگله والدمع يسفح من العين يابعدي وبعد كل الناس يحسين يگله اصبر وگلبي صار نصين اشلون اصبر يبويه والصبر مر) فقتل مئتين واتاه سهم وقع في حلقه وطعنه مُرة بن منقذ العبدي بالرمح في ظهره وضربه بالسيف على رأسه ففلق هامته وتابعه الناس بأسيافهم حتي قطّعوه إرباً فجاء إليه الحسين وأنكّب عليه يقول قتل الله قوماً قتلوك ما اجرأهم علي الله وعلي انتهاك حرمة الرسول على الدنيا بعدك العفا ثم أخذ بكفه من دمهِ الطاهر ورمي به نحو السماء فلم يسقط منه قطرة وامر فتيانه أن يحملوه الى الخيمة فجاؤا به إلى الفسطاط الذي كانوا يقاتلون أمامه وحرائر بيت الوحي ينظرن اليه محمولاً قد جللته الدماء بمطارف من العز حمراء وقد وزّع جثمانه الضرب والطعن فاستقبلنه بصدور دامية وعولةً تصكُّ سمع الملكوت وامامهن كبيرة البيت الهاشمي (زينب العقيلة) صارخةً نادبة فألقت بنفسها عليه تضم اليها جمام نفسها الذاهب وحمى خدرها المنثلم وعماد بيتها المنهدم وخرج من بعده عبد الله بن مسلم بن عقيل بن أبي طالب وهو يقول : اليوم القى مسلماً وهو أبي وعصبة بادوا علي دين النبي
فقتل جماعة بثلاث حملات ورماه يزيد بن الرقاد الجهني بسهم فاتقاه بيده فسمرها الى جبهته فما استطاع ان يزيلها عن جبهته فقال : اللهم انهم استقلّونا واستذلّونا فاقتلهم كما قتلونا وبينا هو على هذا إذ حمل عليه رجل برمحه فطعنه في قلبه ومات ولما قُتل عبد الله بن مسلم حمل آل أبي طالب حملة واحدة فصاح بهم الحسين عليه السلام : صبراً على الموت يا بني عمومتي والله لا رأيتم هواناً بعد هذا اليوم فوقع فيهم عون بن عبد الله بن جعفر الطيار وامه العقيلة زينب واخوه محمد وامه الخوصاء وعبد الرحمن بن عقيل بن أبي طالب واخوه جعفر ابن عقيل ومحمد بن مسلم بن عقيل وأصابت الحسن المثنى ثمانية عشر جراحة وقطعت يده اليمني ولم يُستشهد وخرج أبو بكر بن امير المؤمنين عليه السلام واسمه محمد وامه شرية قتله زحر بن بدر النخعي ثم خرج عبد الله بن عقيل فما زال يضرب فيهم حتى اُثخن بالجراح وسقط الى الارض فجاء اليه عثمان بن خالد التميمي فقتله وخرج أبو بكر بن الأمام الحسن عليه السلام وهو عبد الله الاكبر وامه ام ولد يقال لها رملة فقاتل حتى قُتل وخرج من بعده اخوه لامه وأبيه القاسم وهو غلام لم يبلغ الحُلم فلما نظر اليه الحسين عليه السلام اعتنقه وبكى اذن له فبرز كأن وجهه شقة قمر وبيده السيف وعليه قميص وإزار وفي رجليه نعلان فمشى يضرب بسيفه فانقطع شسع نعله اليسرى وأنف ابن النبي الاعظم صلى الله عليه وآله وسلم أن يحتفي في الميدان فوقف يشد شسع نعله وهو لا يزن الحرب الا بمثله غير مكترث بالجمع ولا مبال بالالوف وبينا هو على هذا إذ شد عليه عمرو بن سعد بن نفيل الازدي وضربه بالسيف علي رأسه ففلق هامته وصاح الغلام ياعماه وأمه واقفه بباب الخيمة تنظر إليه وهي مدهوشة فأتاه الحسين وضرب قاتله فاتقاه بالساعد فأطنها من المرفق فصاح صيحة عظيمة سمعها العسكر فحملت خيل ابن سعد لتستنقذه فأستقبلته بصدورها ووطأته فمات وانجلت الغبرة واذا الحسين قائم على رأس الغلام وهو يفحص برجليه والحسين يقول : بعداً لقوم قتلوك خصمهم يوم القيامة جدّك ثم احتمله ورجلاه يخطان في الأرض فألقاه مع علياً الاكبر وقتلى حوله من أهل بيته ولما رأى العباس عليه السلام كثرة القتلى في أهله قال لأخوته من أمّه وأبيه عبد الله وعثمان وجعفر : تقدّموا يا بني أُمي حتى أراكم نصحتم لله ولرسوله والتفت الى عبد الله وكان أكبر من عثمان وجعفر وقال : تقدم يا أخي حتى أراك قتيلا وأحتسبك فقاتلوا بين يدي أبي الفضل حتى قُتلوا بأجمعهم ولم يستطع العباس صبراً بعد قتل إخوته وأولاد عمه وأخيه وكان آخر من بقي مع الحسين فستأذنه قال : (ياأخي أنت صاحب لوائي ) قال العباس : قد ضاق صدري وأريد أن آخذ ثأري من هؤلاء المنافقين فقال الحسين : إذاً فأطلب لهؤلاء الأطفال قليلٌ من الماء فذهب العباس الى القوم ووعظهم وحذّرهم غضب الجبّار فلم ينفع ورجع الي الحسين يخُبره فسمع الأطفال ينادون العطش العطش فركب جواداً وأخذ الِقربة وقصد الفرات فأحاط به أربعة آلاف ورموه بالنبال فلم يأبي بجمعهم ولم ترعه كثرتهم فكشفهم عن المشرعة ودخل الماء واغترف منه ليشرب فتذّكر عطش الحسين فرمي الماء وقال :
يا نفس من بعد الحسين هوني
وبعده لا كنت أن تكوني
هذا الحسين وارد المنون
وتشربين بارد المعين
(شلون أشرب واخويه حسين عطشان دجله والحرم واطفال رضعان وظل گلب العليله ولهان ياريت الماي بعده لا حلا و ظل هذا الماي يجري بطول حيّر اضوگه گبل چبدي حسين هيهات وظل طفله والعطش ماي واظل موت كرم والعمر گصّر)
ثم ملأ القربة وتوجه نحو المخيم فأخُذ عليه الطريق وجعل يضرب فيهم وهو يقول
( لا أرهب الموت اذا الموت زقا حتي اُواري في المصاليت لقي )
اني انا العباس اغدو بالسِقا ولا اهاب الموت يوم الملتقي
فكمن له زيد بن الرّقاد من وراء نخلةٍ وعاونه حكيم بن الطفيل السنبسي فضربه على يمينه فبراها وأخذ السيف بشماله وقال (والله إن قطعتم يميني إني أُحامي ابداً عن ديني ) فحافظوا عن دينكم ايها المسلمون وتمّسكوا به فأنه خير دينٍ ( وعن امامٍ صادقٍ اليقينِ نجل النبي الطاهر الامينِ) فكمن له حكيم بن الطفيل من وراءِ نخلة فضربه علي شماله فقطعها فضّم اللواء الي صدره وتكاثروا عليه وأتته السهام كالمطر فأصاب القربة سهم وأريق ماؤها وسهم أصاب صدره وسهم أصاب عينه وضربه رجل بالعمود على رأسه ونادي عليك مني السلام ابا عبد الله فأتاه الحسين ورأه مقطوع اليمين واليسار مُرتثاً بالجراحا انحني عليه وبكي بكاءً عاليا وقال : آلان انكسر ظهري وقلّت حيلتي وشمُت بي عدّوي ثم حمل عليه ذويد بن بثير ويقول : بنا اين تفرّون وقد فتتم عمودي فبينا امامنا جالس عند ابي الفضل واذا بأبي الفضل التفت فقال سيدي ما تريد أن تصنع قال أريد حملك الي المخيّم ( نادي ياخويه حسين خليني بمچاني
يگله ليش يازهرة زماني يا خويه واعدت سكنه تراني ابميه ومستحي منهه ومگدر ياخويه منين جتك المنية وتگضي بالشمس والعطش والحر) فبعد هيئةٍ فاضت روح أبي الفضل في حجر أبي عبد الله الحسين فرجع الحسين الي المخيّم منكسراً حزيناً يكفكف دموعه بكمه وقد تدافعت الرجال على مخيمه فصاح : أما من مجير يجيرنا ؟ أما من مغيث يغيثنا ؟ أما من طالب حق ينصرنا اما من خائفٍ من النار فيذب عنا فأتته سكينة وسألته عن عمها فاخبرها بقتله وسمعته زينب فصاحت : وا أخاه وا عباساه وا ضيعتنا بعدك وبكين النسوة وبكى الحسين معهن وقال : وا ضيعتنا بعدك ولما قُتل العباس التفت الحسين فلم ير احداً ينصره ونظر الى أهله وصحبه مجزّرين كالأضاحي وهو إذ ذاك يسمع عويل الايامي وصراخ الأطفال صاح بأعلى صوته : هل من ذاب عن حرم رسول الله ؟ هل من موحد يخاف الله فينا ؟ هل من مغيث يرجو الله في اغاثتنا ؟ فأرتفعت اصوات النساء بالبكاء
ونهض السجاد (ع) يتوكأ على عصا ويجر سيفه لانه مريض لا يستطيع النهوض فصاح الحسين بأم كلثوم احبسيه لئلا تخلو الأرض من نسل آل محمد فأرجعته الى فراشه وهي تنادي (يخويه ومالك معي وگومك عالغبره مطاعي انا منين اجيب المرتضي منين عن كربلة يابه غبت وين ) ثم انه عليه السلام أمر عياله بالسكوت وودّعهم وكان عليه جبة خز دكناء وعمامة مورَّدة ارخى لها ذوابتين والتحف ببُردة رسول الله ولبس درعه وتقلد بسيفه وطلب ثوباً لا يرغب فيه أحد يضعه تحت ثيابه لئلا يجرد منه فانه مقتول مسلوب فأتوه بتّبان فلم يرغب فيه لانه من لباس الذلة وأخذ ثوباً خرقاً وخرّقه وجعله تحت ثيابه ودعا بسراويل ففزرها ولبسها لئلا يسلبها ودعا بولده الرضيع يودعه فأتته زينب بابنه عبد الله وأمه الرباب فأجلسه في حجره يقبله ويقول بعداً لهؤلاء القوم اذا كان جدّك المصطفى خصمهم ثم أتى به نحو القوم يطلب له الماء فرماه حرملة بسهم فذبحه فتلقى الحسين الدم بكفه ورمى به نحو السماء فلم تسقط منه قطرة وقال هون ما نزل بي انه بعين الله تعالى اللهم لا يكون أهون عليك من فصيل ناقة صالح إلهي إن كنت حبست عنا النصر فاجعله لما هو خير منه وانتقم لنا من الظالمين وأجعل ما حلّ بنا في العاجل ذخيرةً لنا في الآجل اللهم انت الشاهد على قوم قتلوا أشبه الناس برسولك محمد صلى الله عليه وآله وسمع عليه السلام قائلا يقول : دعه يا حسين فان له مرضعاً في الجنة فجاء به الي قرب خيمة (العقيلة زينب) ورجع به الي أمه لأن الأم لا تتوكد أن تري ولدها مقتول أمامها فخرجت إليه العقيلة فلما نظرت الي الطفل وإذا به مذبوح من الوريد الي الوريد والسهم نابتٌ في نحرهِ ودمه مسفوح علي صدره (نادت يخويه الطفل عني دغطيه انا مالي گلب يحسين اصد ليه اشوفن ذبيح ومدري جليه خويه خذته العطش الحگ عليه هذا الخفت منه طحت بيه ) وحفر له الحسين سلام الله عليه بجفن سيفه ودفنه مرملاً بدمه ويقال وضعه مع قتلى أهل بيته وتقدّم نحو القوم مصلتاً سيفه آيساً من الحياة ودعا الناس الى البراز فلم يزل يقتل كل من برز اليه حتى قتل جمعاً كثيراً ثم حمل على الميمنة وهو يقول :
الموت اولي من ركوب العار والعار اولي من دخول النار
وحمل على الميسرة وهو يقول :
انا الحسين بن علي آليت أن لا أنثني
أحمي عيالات أبي أمضي علي دين النبي
وأعياه نزف الدم فجلس على الارض ينوء برقبته فانتهى اليه في هذا الحال مالك بن النسر فشتمه ثم ضربه بالسيف على راسه وكان عليه برنس فامتلأ البُرنس دماً فقال الحسين : لا أكلت بيمينك ولا شربت وحشرك الله مع الظالمين ثم ألقى البُرنس واعتم على القلنسوة قال هاني بن ثبت الحضرمي : اني لواقف عاشر عشرة لما صرع الحسين إذ نظرت الى غلامٍ من آل الحسين عليه ازار وقميص وفي اذنيه درتان وبيده عمود من تلك الأبنية وهو مذعور يتلفت يميناً وشمالا فأقبل رجل يركض حتى اذا دنا منه مال عن فرسه وعلاه بالسيف فقتله وذلك الغلام هو محمد بن أبي سعيد بن عقيل بن أبي طالب وكانت امه تنظر اليه وهي مدهوشة ثم انهم لبثوا هُنيئةً وعادوا الى الحسين واحاطوا به وهو جالس على الأرض لا يستطيع النهوض فنظر عبد الله بن الحسن السبط وله احدى عشرة سنة الى عمه وقد أحدق به القوم فأقبل يشتد نحو عمه وأرادت زينب حبسه فأفلت منها وجاء الى عمه وأهوى بحر بن كعب بالسيف ليضرب الحسين فصاح الغلام : يا ابن الخبيثة أتضرب عمّي الحسين ؟ فغضب اللعين من كلامه فضرب الغلام بسيفه فاتقي الضربة بيده فأطنها الى الجلد فاذا هي معلقة فصاح الغلام : يا عماه لقد قطعوا يدي ونظر الي أمه في باب الخيمه فنادي يا أماه لقد قطعوا يميني فضّمه الحسين إليه فقال يا بن اخي اصبرعلي ما نزل بك واحتسب في ذلك الخير فان الله تعالى يلحقك بآبائك الصالحين ورفع يده قائلا : اللهم ان متعتهم الى حينٍ ففرقهم تفريقاً واجعلهم طرائق قدداً ولا تُرِضِ الولاة عنهم ابداً فانهم دعونا لينصرونا ثم عدوا علينا يقاتلونا ورمي الغلام حرملة بن كاهل بسهم فذبحه وهو في حجر عمه وبقي الحسين مطروحاً
علي الأرض ملياً ولو شاؤوا ان يقتلوه لفعلوا الا ان كل قبيلة تتكل على غيرها وتكره الاقدام فصاح الشمر : ما وقوفكم وما تنتظرون بالرجل وقد اثخنته السهام والرماح احملوا عليه فضربه زرعة بن شريك على كتفه الايسر ورماه الحُصين في حلقه وضربه آخر على عاتقه وطعنه سنان بن انس في ترقوته ثم في بواني صدره ثم رماه بسهم في نحره وطعنه صالح بن وهب في جنبه قال هلال بن نافع كنت واقفاً نحو الحسين فرأيته يجود بنفسه فوالله ما رأيت قتيلا قط مضمخاً بدمه احسن منه ولا انور وجهاً ولقد شغلني نور وجهه عن الفكرة في قتله فاستسقى في هذه الحال ماءً فأبوا ان يسقوه وقال له رجل لا تذوق الماء حتى ترد الحامية فتشرب من حميمها فقال عليه السلام : انا ارد الحامية وإنما ارد على جدي رسول الله واسكن معه في داره في مقعد صدق عند مليك مقتدر واشكو اليه ما ارتكبتم مني و ما فعلتم بي فغضبوا بأجمعهم حتى كأن الله لم يجعل في قلب احدهم من الرحمة شيئاً واقبل فرس الحسين يدور حوله ويلطخ ناصيته بدمه فصاح ابن سعد دونكم الفرس فانه من جياد خيل رسول الله فأحاطت به الخيل فجعل يرمح برجليه حتي قتل جماعةً فقال ابن سعد دعوه لننظر ما يصنع فلما أمن الجواد الطلب اقبل نحو الحسين يمرغ ناصيته بدمه ويشمه ويصهل صهيلا عالياً قال أبو جعفرالباقر (ع) كان يقول : (الظليمة ، الظليمة ، من امة قتلت ابن بنت نبيها)
وتوجه نحو المخيم بذلك الصهيل فلما نظرن النساء الى الجواد مخزياً والسرج عليه ملويا خرجن من الخدور على الخدود لاطمات وبالعويل داعيات وبعد العز مذللات والى مصرع الحسين مبادرات
فواحدة تحنو عليه تضُّمه وأخري عليه بالرداء تظلل
وأخري بفيض النحر تصبغ شعرها وأخري تفّديه وأخري ُتقبله
وأخري علي خوفٍ تلوذ بجنبه وأخري لما قد نالها ليس تعقل
ونادت أُم كلثوم : وامحمداه واابتاه واعلياه واجعفراه واحمزتاه هذا حسين بالعراء صريع بكربلا ونادت زينب : وا اخاه وا سيداه وا اهل بيتاه ليت السماء أطبقت على الأرض وليت الجبال تدكدكت على السهل وانتهت نحو الحسين وقد دنا منه عمر بن سعد في جماعة من أصحابه والحسين يجود بنفسه فصاحت : أي عمر ايقتل أبو عبدالله وأنت تنظر اليه ؟ فصرف بوجهه عنها ودموعه تسيل على لحيته فقالت : ويحكم اما فيكم مسلم ؟ فلم يجبها احد ثم صاح ابن سعد بالناس : انزلوا إليه وأريحوه فبدر إليه شمر فرفسه برجله وجلس على صدره وقبض على شيبته المقدّسة وضربه بالسيف اثنتي عشرة ضربة واحتز رأسه المقدس
واااااااا إماماااااااااه واااااااا حسيناه وااااااااا سيداه